محليات

"التأمين الصحي".. بين التغطية وجودة الخدمات

بحاجة إلى إدارة موحدة وضبط الهدر

الحناوي: الازدواجية في صرف الدواء ترفع كلفة النظام
أكد مستشار رئاسة الوزراء سابقا لشؤون التأمين الصحي الدكتور راتب الحناوي أن التوسع في شمول المواطنين بالتأمين الصحي لا يكفي وحده لتحقيق التغطية الصحية الشاملة ما لم يترافق مع تحسين جودة الخدمات وزيادة قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على استيعاب المراجعين وتطوير نظام واضح للتحويل بين مستويات الرعاية الصحية.
وبين في مقابلة خاصة مع «الرأي» أن التحدي الأساسي لم يعد مقتصرا على إدخال فئات جديدة تحت مظلة التأمين، بل يتعلق بقدرة النظام الصحي على تقديم خدمات جيدة للمؤمنين دون تحميلهم تكاليف إضافية، إلى جانب ضمان توفر الأدوية والاختصاصات الطبية في مختلف المناطق.
وأوضح الحناوي أن من أبرز مواطن الهدر في النظام الصحي تكرار صرف الأدوية، والانتقال بين أكثر من مركز صحي ضمن النظام نفسه، وتكرار الزيارات والفحوصات في ظل غياب ملف صحي موحد ونظام تحويل منظم.
وأضاف أن امتلاك بعض المواطنين أكثر من تأمين صحي، مدني أو عسكري أو خاص، قد يؤدي إلى تكرار الحصول على الخدمات والأدوية، فيما تشكل الإقامة غير الضرورية في المستشفيات وجها إضافيا للهدر، خصوصا عند تجاوز المدة الطبية اللازمة للعلاج.
وشدد الحناوي على أن ضبط الإنفاق لا يتعارض مع حق المواطن في العلاج، بل يهدف إلى تنظيم الخدمة وحماية الموارد، مبينا أن التحول الرقمي وربط المراكز الصحية والمستشفيات إلكترونيا، يساعدان على الحد من الازدواجية وسوء الاستخدام، ومراقبة صرف الأدوية والتحويلات الطبية.
ودعا إلى الفصل بين الجهة التي تقدم الخدمة الطبية والجهة التي تمولها أو تشتريها، من خلال إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة للتأمين الصحي تتولى إدارة التمويل، والتعاقد مع مقدمي الخدمات في المستشفيات الحكومية والعسكرية والجامعية والخاصة.
واعتبر أن وزارة الصحة تتحمل أعباء إدارة المستشفيات والمراكز الصحية وبرامج الوقاية والتطعيم والصحة المدرسية، ومن الأفضل أن تتولى جهة مستقلة ومتخصصة إدارة التأمين الصحي والحسابات والتعاقدات والرقابة المالية.
وأشار الحناوي إلى أن وجود جهة مستقلة يتيح معرفة الكلفة الحقيقية لعلاج كل مريض، وتقييم الإنفاق والإيرادات، وتحديد مدى كفاية الاشتراكات والمخصصات الحكومية، بدلا من الاعتماد على موازنات لا تظهر بصورة دقيقة كلفة الخدمات ونتائج الإنفاق.
ونوه إلى أن الخلل الأساسي في النظام الصحي إداري بالدرجة الأولى، مؤكدا ضرورة إسناد إدارة المستشفيات إلى مختصين في إدارة المستشفيات والمؤسسات الصحية، وعدم تحميل الطبيب مسؤوليات مالية وإدارية وتزويدية بعيدة عن عمله الطبي.
ولفت إلى أن المستشفى يحتاج إلى إدارة متخصصة، تضم خبراء في التخطيط الاستراتيجي والحسابات الصحية والسجلات الطبية والاقتصاد الصحي والتزويد، فيما يجب أن يتركز دور الطبيب على الجوانب الفنية والعلاجية.
وتابع الحناوي بأن الأردن يمتلك أعدادا كبيرة من خريجي إدارة المستشفيات، إلا أن كثيرا منهم لا يعملون في مواقع تتناسب مع تخصصاتهم، داعيا إلى وضع الكفاءات الإدارية والطبية والفنية في أماكنها الصحيحة ضمن فريق متكامل.
وأكد على ضرورة إنشاء ملف صحي وتأميني إلكتروني موحد لكل مواطن، يمكن الوصول إليه في جميع المستشفيات والمراكز الصحية، بما يضمن معرفة التاريخ المرضي والأدوية والفحوصات والتحويلات السابقة.
ووفق الحناوي فإن امتلاك الدولة بنية رقمية لتقديم خدمات حكومية متعددة، يؤكد إمكانية تطبيق الربط الإلكتروني في القطاع الصحي، مشددا على أن النظام الصحي الأردني قوي، وقادر على تطبيق التأمين الصحي الشامل، لكنه يحتاج إلى إعادة هيكلة وتنظيم وحوكمة.
وبين أن طبيب الأسرة يمثل حجر الأساس في تنظيم رحلة المريض، إذ يتولى متابعة الأسر ضمن منطقة جغرافية محددة، وتحديد الحالات التي يمكن علاجها في الرعاية الأولية وتلك التي تحتاج إلى تحويل للمستشفيات أو الاختصاصيين.
وركز على أن تفعيل نظام التحويل من المركز الصحي الأولي إلى الشامل، ثم إلى المستشفى الطرفي أو المركزي والتخصصي، يخفف الضغط على المستشفيات ويحد من الفحوصات والتحويلات غير الضرورية.
ودعا الحناوي إلى تعزيز وجود الاختصاصيين في المحافظات والمناطق البعيدة، من خلال نظام التدوير والزيارات الدورية، بما يحقق عدالة أكبر في توزيع الخدمات ويجنب المرضى كلفة الانتقال إلى العاصمة.
وحول مساهمة المواطن في كلفة الخدمة، قال الحناوي «إن أي رسوم رمزية يجب أن ترتبط بتحسين ملموس في جودة الرعاية، وتوفير الأدوية والمواعيد والفحوصات والخدمات الفندقية والاستقبال الجيد».
وحدد أولويات الإصلاح بإنشاء مؤسسة مستقلة للتأمين الصحي، وربط جميع الجهات بشبكة إلكترونية موحدة، وتفعيل نظام التحويل وطبيب الأسرة، وإجراء دراسات اكتوارية وحسابات صحية دقيقة، إلى جانب تعزيز الرقابة ووقف الهدر، وتوحيد السياسات بين القطاعات الصحية المختلفة، مع الحفاظ على خصوصية كل نظام.