تشكل المواقع الأثرية في الضفة الغربية اليوم محوراً رئيسياً في استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى إعادة صياغة الجغرافيا والهوية والواقع السياسي، حيث امتد الصراع إلى توظيف التاريخ والرواية الحضارية لإضفاء شرعية على إجراءات الضم وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض، ويكشف تقرير منظمة 'السلام الآن' أن حكومة بنيامين نتنياهو حولت علم الآثار إلى أداة للضم بحكم الأمر الواقع، في ظل سياسات تهدد نحو 6 آلاف موقع أثري فلسطيني موزعة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، بما يعزز السردية الاستيطانية على حساب الوجود الفلسطيني التاريخي والمعاصر.
وتمثل التشريعات التي تسعى حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى إقرارها لنقل إدارة المواقع الأثرية إلى هيئة مدنية إسرائيلية تحولاً خطيرا في إدارة الأراضي المحتلة، حيث تؤدي هذه الخطوة إلى نقل ملف الآثار من سلطة الإدارة العسكرية إلى مؤسسات دولة الاحتلال، بما يعزز الضم بحكم الأمر الواقع ويضعف الأسس القانونية التي استندت إليها العملية السياسية منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، ويكتسب هذا المشروع خطورة إضافية لأنه يشمل المنطقتين (أ) و(ب)، بما يعني تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية وفرض واقع قانوني جديد يوسع نفوذ الاحتلال داخل جميع أنحاء الضفة الغربية، وقد وصفته منظمة 'السلام الآن' بأنه أخطر خطوة ضم تشريعية منذ ضم القدس الشرقية.
وتكشف عمليات المصادرة في سبسطية وهيروديون والنبي صموئيل عن سياسة متكاملة تبدأ بإعلان الموقع منطقة أثرية، ثم فرض القيود على الأراضي المحيطة به، يعقبها تطوير الموقع وربطه بالمستوطنات والطرق الالتفافية، لينتهي الأمر بتحويله إلى مركز استيطاني أو متنزه يخدم المشروع الإسرائيلي، فقد صادرت سلطات الاحتلال نحو 1800 دونم في سبسطية، وهي أكبر عملية مصادرة لموقع أثري منذ بدء الاحتلال، مع تخصيص أكثر من 30 مليون شيكل لتطويره، كما صادرت 300 دونم في هيروديون و110 دونمات في النبي صموئيل، في خطوات تؤكد أن ملف الآثار أصبح مدخلاً للاستيلاء على الأراضي وتوسيع الاستيطان.
وتنعكس هذه السياسة مباشرة على مستقبل الدولة الفلسطينية، لأن أي دولة تحتاج إلى إقليم متصل وقابل للحياة، وعندما تتحول المواقع الأثرية إلى حلقات تربط المستوطنات ببعضها بعضا، وتتقلص الأراضي المتاحة للتوسع العمراني الفلسطيني، يصبح التواصل الجغرافي بين المدن والقرى أكثر تعقيداً، بينما تتراجع فرص إقامة دولة تمتلك مقومات الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتؤكد بيانات دائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية هذه الحقيقة، إذ أصدرت سلطات الاحتلال بين عامي 2013 و2025 ما مجموعه 63 أمراً عسكرياً يتعلق بالمواقع الأثرية، أسفر عن فرض السيطرة على أكثر من 7012 دونماً من الأراضي الفلسطينية، فيما شهد عام 2025 وحده إصدار 32 أمراً، وهو ما يعادل نحو نصف إجمالي الأوامر خلال اثني عشر عاماً.
ويمتد تأثير هذه الإجراءات إلى التخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية، فوجود آلاف المواقع الأثرية بالقرب من المدن والبلدات الفلسطينية يمنح سلطات الاحتلال مبرراً دائماً لوقف مشاريع الإسكان والبنية التحتية والاستثمار بحجة حماية التراث، ويحذر تقرير 'السلام الآن' من أن منح الهيئة الجديدة صلاحيات داخل المنطقتين (أ) و(ب) قد يؤدي إلى تعطيل مشاريع البناء الفلسطينية، لأن معظم المدن والقرى الفلسطينية أقيمت بجوار أو فوق مواقع أثرية، الأمر الذي يجعل التنمية الفلسطينية خاضعة لقرارات الاحتلال.
أما على المستوى الثقافي، فإن إعادة تصنيف المواقع الإسلامية والمسيحية والفلسطينية ضمن منظومة التراث اليهودي تحمل أبعاداً تتعلق بالهوية الوطنية والذاكرة التاريخية. فإعادة تقديم هذه المواقع باعتبارها جزءاً من التراث اليهودي، وتحويلها إلى متنزهات إسرائيلية، تسهم في تهميش الرواية الفلسطينية، وتمنح المشروع الاستيطاني بعداً ثقافياً يسعى إلى تثبيت شرعيته عبر إعادة تشكيل هوية المكان، كما تؤدي هذه السياسة إلى عزل التجمعات الفلسطينية، ويبرز نموذج قرية النبي صموئيل مثالاً واضحاً، حيث يعيش نحو 400 فلسطيني داخل مساحة تقلصت من 4500 دونم إلى 2261 دونماً نتيجة المصادرات والتوسع الاستيطاني، مع فرض قيود مشددة على الحركة والبناء وإدخال الاحتياجات الأساسية.
وتقود هذه السياسات إلى إعادة تشكيل طبيعة الصراع بصورة جوهرية، فكلما ارتبطت الأرض بالرواية الدينية والتاريخية، تعقدت فرص الوصول إلى تسوية سياسية، لأن النزاع ينتقل من خلاف على الحدود والسيادة إلى صراع على الهوية والذاكرة والانتماء، وتؤكد المعطيات التي أوردها تقرير 'السلام الآن' أن المشروع الإسرائيلي دخل مرحلة جديدة بالإضافة للتوسع الاستيطاني التقليدي تقوم على توظيف القانون والآثار والتخطيط المكاني لإعادة تشكيل الضفة الغربية سياسياً وديموغرافياً وثقافياً، بما يرسخ الضم بحكم الأمر الواقع ويقوض الأسس التي يقوم عليها حل الدولتين، وفي ظل استمرار فرض هذه الوقائع على الأرض، تتراجع فرص قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، وتتعمق أزمة عملية السلام، بينما تتزايد عوامل عدم الاستقرار الإقليمي واحتمالات تجدد الصراع، نتيجة تحويل التاريخ والهوية إلى أدوات لترسيم الجغرافيا وفرض معادلات سياسية جديدة بعيداً عن أي تسوية عادلة ومستدامة.
الآثار... المسار الأخطر نحو ضم الضفة الغربية
12:07 4-8-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء