رعت سموّ الأميرة جليلة بنت علي حفل «أنغام طريق الحرير»، الموسيقي، الذي جرى في المركز الثقافي الصيني بعمان مساء أمس، بتنظيم من المركز، وحضور وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، والسفير الصيني في عمان «قوه وي»، ومدير المركز الثقافي الصيني بعمان جاو شياو تشيانغ والسفير الأردني السابق في بكين يحيى القرالة، ومدير عام الهيئة الملكية للأفلام مهند البكري، وجمع من المثقفين والإعلاميين.
واشتمل الحفل، الذي كان معبّرًا حقيقيًّا لنشاط تراثي تعبق به جمهورية الصين الشعبية في كلّ مقاطعاتها ومناطقها وتعرض مقتطفات منه كلّ فترة، على فقرات موسيقية كانت بستانًا للحضور، ليطوّفوا بـ 15 فقرة استطاعت أن تحمل الجمهور الأردني إلى معزوفات غاية في الإبهار، استندت إلى خلفية ثقافية في عرض حي، استُقدِمتْ له فرقة خاصة عبّرتْ عن التناغم الصيني الأردني على طريق الحرير الصيني، الذي ظلّ أساسًا لصداقة الصين مع العرب والعالم، ويعمل على استثماره اليوم الرئيس الصيني شي جين بينغ، ليكون مُعبَّدًا بالثقافة والتجارة والميزة النسبية لهذه المصلحة التجارية التي تغلفها علاقات الصداقة.
أدار فعاليات الحفل مساعد مدير المركز الثقافي الصيني أحمد العقرباوي، باللغتين العربية والصينية، كما حظي العرض الفني بحضور مجتمعي من أوساط ثقافية وإعلامية، استذكروا محطات من الشجون والفرح والإدهاش.
وأبدت سموّ الأميرة جليلة بنت علي احترامها لهذه الفقرات وتنوّعها المدروس، كما أكّد وزير الثقافة مصطفى الرواشدة لوسائل الإعلام، غنى التراث الثقافي الصيني واشتراكه كثقافة إنسانية مع الثقافة العربية والأردنية، مشيدًا بالاحتراف الموسيقي الصيني، والتدريب المبكر للصينيين ووفائهم لتراثهم وثقافتهم، ليحتفوا به ويقدموه في احتفالاتهم الثقافية، لافتًا إلى مشاركة الصين هذا العام بمهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، من خلال عروض تشارك كل عام بالجديد، وتمثل مقاطع معيّنة من التراث الثقافي الفلكلوري الصيني، كجزء من اتفاقيات التبادل الثقافي للأردن مع الصين.
وفي كلمته، أعرب السفير الصيني «قوه وي»، عن ترحيبه بالحضور الصديق، والحضور البروتوكولي، داعيًا للاستمتاع بحفل أنغام طريق الحرير، والتعرف على سحر الثقافة الصينية التقليدية وروعة تراثها الثقافي غير المادي المُحتفى به، إضافةً إلى غنى التراث الثقافي المادي بطبيعة الحال.
وأكّد السفير الدور الكبير الذي يلعبه الأصدقاء من مختلف الأوساط في دعم الصداقة والتعاون بين الصين والأردن، وقال إنّه، وعلى مدى 49 عامًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والأردن، ظلَّتْ علاقات البلدين تقوم على الاحترام والثقة المتبادلة، وهذه الإنجازات الغنية في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية، وغيرها، فازدادت لذلك أواصر الصداقة بين الشعبين قوةً ورسوخًا.
وقال السفير «قوه وي» إنّه سيتم الاحتفال بالذكرى الخمسين لعلاقات الصداقة الصنية الأردنية، وهي مناسبة نتطلع إليها بثقة، آملين أن تكون نقطة انطلاق جديدة تدفع علاقاتنا الثنائية نحو آفاق أرحب وإنجازات أكبر.
ورأى السفير الصيني أنّ الثقافة هي جسر يقرّب الشعوب، مهما تباعدت الحدود والموسيقى، حيث اللغة التي تخاطب القلوب رغم اختلاف اللغات، أمَّا التراث الثقافي غير المادي، فهو الحامل لذاكرة الشعوب والمجسّد للحكمة المشتركة بين الحضارات البشرية.
وأكد «قوه وي» أنّ الحفل ليس فقط تقديمًا لروائع الموسيقى الشعبية الصينية، فحسب، بل هو استعراض لنماذج من التراث الثقافي غير المادي، ومن بينها فن نحت جوز الهند وفن الحياكة بالقش من مقاطعة هاينان، على أمل أن تتيح هذه الفنون والإبداعات الثقافية فرصة أوسع للتعرف إلى الصين وما تتميز به الحضارة الصينية من انفتاح وشمول ومقدرة على استيعاب مختلف الحضارات وحيويتها المتجددة عبر العصور.
وأشار السفير الصيني إلى مشاركة فرقه صينية هذا العام بدورة مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، مؤكدًا أنَّ الموسيقى هي وسيلة مهمة للتواصل والثقافة، وهي جسر للتبادل مع فنانين من مختلف دول العالم، بما يجسّد التعلُّم المتبادل بين الحضارات والتقارب بين الشعوب، حيث الحضارات تزدهر بالجوار وتزداد ثراءً بالتعلم المتبادل، في ظلّ الانفتاح والشمول واحترام التنوع والتقدير المتبادل، كسبيل لمستقبل أفضل للجميع.
وقال «قوه وي» إنّ الصين تحرص دائمًا على إقامة منصات للتبادل الإنساني والثقافي مع الأردن، مؤكدًا تواصل العمل مع وزارة الثقافة ومختلف أوساط المجتمع الأردني لتنظيم المزيد من الفعاليات الثقافية المتنوعة، بما يُسهم في تعزيز التفاهم بين الشعبين عبر التواصل وتعميق أواصر الصداقة من خلال التبادل، وضخّ مزيد من الحيوية في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
من جهتهم، عبّر الحضور من مختلف الأوساط المجتمعية عن غنى التراث الصيني، خصوصًا وقد دأبوا على حضور احتفالات الصين السنوية في أعيادهم، مثل عيد الربيع وعيد التنين، والاحتفالات بالسينما الصينية التي تقام سنويًّا في عمان، وغيرها من الاحتفالات ذات الطابع الثقافي، مؤكدين أنّ العرض الموسيقي شكّل إطلالةً على التراث الموسيقي الصيني لمقاطعات ومناطق جديدة في الصين، بما عرف عن الإبداعات الصينية من جمال وتواصل بصري وروحي من خلال عروض حيّة في فضاءات المركز الثقافي الصيني بعمان.
قراءة فنية
وفي الحفل، لنا أن نتخيّل كيف تخرج فتاة ممشوقة القوام لتعزف على ورق الشجر، و"هو ما يذكّرنا بفريد الأطرش»، الذي كان يكتب على أوراق الشجر؛ بينما الفتاة الصينية كانت تعزف على الأوراق نفسها، في نزولها من المنصة ومصافحتها الحضور البروتوكولي والجمهور بهذه المعزوفات، وتوزيعها عليهم أوراقًا من نبات صيني تمّ العزف عليه بكل أناقةٍ وجمال.
وخلال المعزوفات، كان الشجر حاضرًا، والعصافير كذلك، بكلّ ما تبعثه في النفس من روائع الحنين وجمال الطبيعة، من خلال آلات موسيقية رائعة تشبه آلاتنا الشرقية، ولكن بخصوصية صينية.
وكان الناي حاضرًا بأحزانه وأشجانه، خصوصًا حين كانت فتاة وفتىً ينزلان للجمهور، وهما يعزفان على الناي من أنْفَيْهما، على صعوبة هذه العملية، في عمل احترافي صفَّق له الجميع، احترامًا لهذا الدأب المبكر على احترام الثقافة الصينية، وبالفعل فإذا نظرتَ إلى مفردات التراث الصيني، ستجد كل ذلك ماثلًا في معزوفات تعطي فكرةً للحضور ما بين الأحزان والأفراح والتسارع الموسيقي والسوق والعمل وحركة الحياة الاجتماعية من خلال الموسيقى، المنفردة والجماعيّة.
وفي عناوين المعزوفات، كان هناك عزف جماعي مثلا لموكب ملك الفيل، بما توحي به هذه الطقسية الجميلة ومعتقدات الصين في هذه الفقرة، وكذلك عزفٌ حول أجواء السوق في الصين وما يتخلل هذه السوق من حركة وأضواء جميلة، ولكن بالتخيّل الموسيقي، كما كانت هناك معزوفات تحمل عناوين رائقة، مثل «ضحكة عبر المحيطات»، مما يعبّر عن الثقافة الصينية المعروفة التي كلما زارها المرء وقف عليها بكل دهشته وأحاسيسه.
وفي عنوان «حلم النصل»، كان الحضور يشاهد عزفًا جماليًّا برزت من نغماته الجبال والحقول والأزهار، وكلّ ذلك عززته خلفية المشهد، وإضافةً إلى التعبير القوي لهذه المعزوفات، كان هناك عنوان عزف منفرد طبيعي يحلُّ في إحدى القرى الصينية، حيث معنى الربيع وحركته وجماله، بمعناه ودلالته المادية والمعنوية، وكيف اجتاح الربيع هذه القرى، بل وكيف عبَّر الصينيون ببساطه الموسيقى وروعتها ودلالتها واحترافها عن هذا العنوان.
كما دخلت الأسطورة، كجزء من التراث الثقافي الصيني، مثل عنوان «ثوب الجنيّة»، وهو ما يقابل أساطيرنا المحكية الجميلة التي نقولها في الحكايات لأبنائنا وأحفادنا، ومن المعزوفات ما عبّر عن طلاب العلم الشباب الذين يُقبلون على العلم بهمة وفاعلية، فكانوا فرحين بهذه الحياة، كتعبير عن قابلية الشعب الصيني وانفتاحه، وهو الشعب الذي تحوّل من فترات قديمة إلى وثبات اقتصادية واجتماعية وفهم ومعرفة للحدود ما بعد القصوى في تطويع كل شيء للوصول إلى القمة الرقميّة والاقتصادية مع الحفاظ على ذلك التراث الجميل الذي يبقى في كلّ الدول النابهة عنوانًا لكلّ تجديدٍ أو ابتكار.
وفي الحفل، جلب العازفون لنا الأسطورة الصينية، التي ظلّت حاضرةً بكلّ تنافذاتها، كما كانت زهرة البرقوق مثالًا يعزفون على لحنها أجمل المعزوفات والمقطوعات، أمّا السحب الملوّنة التي تطارد القمر، فقد أوحت لنا كعنوان، بإحساس متفرّد لطبيعة الإنسان ورومانسيته العالية الفطرية التي نشأ عليها قبل أن تأخذه انشغالات الوظيفة والحياة والناس، فقد أخذنا الخيال الصيني بعيدًا لشعب يفرح بكلّ شيء: يعمل لدنياه ويفرح بوقته الخاص، ويفرح أيضًا بالقمر والسُّحب والحقول والبساتين ويحتفي بالزّراع والعمّال والصنّاع، وأيضًا وصل إلى مرتبة عالية في الثورة العلمية والصناعية والسيبرانية الرقمية، وفي الوقت نفسه كانت الأحلام حافزًا لنا لنطاردها، وكل ذلك بالطبع كان يحمل ثقافةً وفكرًا جميلًا وتلقائيًّا..
وفي حين كان العزف على الأوراق يحتفل بربيع «ليشان» المبكر، كانت هناك معزوفات تحمل عنوان «سيّد العالم»، كإلهام للإنسان ليتخذ مثالًا يُحتذى في هذا الكون، كما كانت المقاطعات الصينية تحتفي بمجموعها في عزف جمالي رائع توشّى بالسعادة الحقيقة التي تكتمل بلقاء الأحبة، كعنوان لحفل ختام الخمسة عشر عنوانًا لمعزوفات مرَّت سريعًا لجمالية ترتيبها ومحتواها وتنوّعها وتنفيذها، يصاحبها الزَّي الصيني الصارخ بالألوان الفلكلورية الجميلة المستمدة من طبيعة الصين الخلابة والمتجددة. وفي إطار الاحتفال كان هناك معرض لمنتوجات ومأكولات صينية منتقاة أقبل عليها الجمهور الذي تعرّف على أنواع جديدة من التراث الصيني الذي دأب المركز الثقافي الصيني بالتعاون مع السفارة على عرضه كلّ عام.