رغم الانخفاض الذي تباع به كثير من أصناف الخضار والفواكه عند بوابة المزرعة، إلا أن أسعارها ترتفع بصورة لافتة قبل وصولها إلى المستهلك، في مشهد يتكرر مع معظم المواسم الزراعية ويثير تساؤلات حول أسباب اتساع الفجوة بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي.
بينما يرى مزارعون أن تعدد حلقات التسويق والوساطة يوسع الفجوة السعرية، فيما يؤكد مختصون أن غياب التخطيط للإنتاج الزراعي وتنظيمه وتغير الأسواق التصديرية ساهما في زيادة الاختلالات داخل القطاع. فيما يرى التجار أن اختلاف جودة المنتجات والمنافسة بين المحال عوامل أساسية في تفاوت الأسعار.
وفي هذا الشأن، قال المزارع محمد الغزاوي ان أسعار الخضار والفواكه عند خروجها من المزرعة تكون منخفضة مقارنة بما يدفعه المستهلك في الأسواق؛ مبينًا أن المُنتج (المزارع) لا يحصل في كثير من الأحيان على سعر يغطي تكاليف الإنتاج والجهد المبذول في الزراعة.
وأوضح الغزاوي أن الارتفاع الحقيقي في الأسعار يحدث خلال مراحل التسويق، نتيجة تعدد حلقات الوساطة والبيع قبل وصولها إلى المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى زيادة سعرها بشكل ملحوظ دون أن ينعكس ذلك على دخل المزارع.
وأشار إلى أن المزارعين يتحملون أعباء مرتفعة تشمل كلف المياه والأسمدة والمبيدات والعمالة والنقل، في حين يبقى هامش ربحهم محدودًا.
ودعا الغزاوي إلى تنظيم عمليات التسويق وتقليص الحلقات الوسطية بما يحقق سعراً عادلاً للطرفين؛ المنتج والمستهلك على حد سواء.
ومن جانبه، أكد مدير عام اتحاد المزارعين المهندس محمود العوران أن أسعار معظم أصناف الخضار تشهد خلال الأسبوع الحالي استقرارًا نسبيًا، باستثناء محصول الزهرة الذي ارتفعت أسعاره نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، باعتباره من المحاصيل الشتوية التي يتراجع إنتاجها في ارتفاع درجات الحرارة.
وأوضح العوران أن الأسعار التي يبيع بها المزارعون منتجاتهم تصدر رسميًا عن سوق الجملة المركزي التابع لأمانة عمان الكبرى، إلا أن غياب الرقابة الفاعلة على مراحل البيع اللاحقة يؤدي إلى تفاوت كبير في الأسعار، ويخلق فجوة واسعة بين ما يحصل عليه المزارع والسعر الذي يدفعه المستهلك.
وأشار إلى أن المزارع قد يبيع كيلو البندورة بنحو 25 قرشًا، ثم يصل إلى المستهلك بسعر يتراوح بين 60 و70 قرشًا، كذلك الخيار الذي يباع من المزارع بنحو ربع دينار، وقد يصل سعره في بعض محال التجزئة إلى دينار، مؤكدا أن هذه الفجوة السعرية تضر بالمزارع والمستهلك في آن واحد.
وأضاف أن الخلل، وفق ما يلمسه القطاع الزراعي، يظهر لدى بعض تجار التجزئة، مشددًا ضرورة تفعيل الرقابة على الأسعار في مختلف مراحل التسويق، من البيع من المزارع وصولاً إلى المستهلك وربط أسعار البيع للمستهلك بالأسعار المعتمدة في سوق الجملة، بما يحقق التوازن ويحمي جميع الأطراف خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها المواطن.
وأكد على أن الإعلان عن الأسعار وحده لا يكفي لمعالجة المشكلة، بل يتطلب الأمر رقابة حقيقية على الأسواق وآليات التسويق والبيع لضمان عدالة التسعير وتحقيق توازن بين حقوق المزارع وقدرة المستهلك على الشراء بأسعار مناسبة.
من جانبه، قال التاجر غيث الجعبري إن اختلاف الأسعار بين المحال لا يعود دائمًا إلى المغالاة في الأسعار، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان بجودة المنتج ومواصفاته.
وأوضح أن بيع كيلو البندورة في أحد المحال بـ20 قرشًا، مقابل أسعار أعلى في محال أخرى، لا يعني بالضرورة أن المنتج مطابق من حيث الجودة والمواصفات، و أن المنافسة بين المحال تدفع التجار إلى المحافظة على أسعار مقبولة تتناسب مع مراعاة القدرة الشرائية للمواطن.
بدوره، رأى رئيس جمعية مزارعي وادي الريان مثقال الزين أن أحد أبرز الاختلالات التي يشهدها القطاع الزراعي يتمثل في عدم تنظيم طرفي العملية الإنتاجية، المزارعين وعمال الزراعة، مبيناً أن المزارعين على أرض الواقع لا يعملون ضمن منظومة انتاجية منظمة تحدد احتياجات السوق وكمية الانتاج.
وأوضح الزين تحسن أسعار محصول معين يدفع أعدادًا كبيرة من المزارعين إلى التوسع في زراعته، سواء كان البندورة أو الخيار أو الليمون أو الكليمنتينا، ما يؤدي لاحقًا إلى زيادة المعروض في محصول معين وانخفاض الأسعار، ثم انتقال الجميع إلى محصول آخر، لتتكرر الدورة نفسها كل موسم.
وأشار إلى أن الأوضاع السياسية والاقتصادية الإقليمية أسهمت في تغيير خريطة الإنتاج الزراعي، بعد أن بدأت دول مجاورة مثل السعودية وسوريا والعراق بإنتاج محاصيل كانت تصدرها الأردن سابقا لها، الأمر الذي أدى إلى تراجع الصادرات الأردنية وفقدان جزء من الأسواق الخارجية.
ودعا الزين إلى إعادة تنظيم العملية الإنتاجية وفق احتياجات السوق المحلية والخارجية، واقترح تشكيل مجالس للمزارعين في كل حوض زراعي تتولى تنسيق مواعيد الزراعة، وتحديد أنواع المحاصيل وكميات إنتاجها، بما يحد من فائض الإنتاج وتكدس المحاصيل ويحافظ على استقرار الأسعار.
وأكد أن منطقة الأغوار في المملكة تمتلك ميزة انتاجية تنافسية مهمة، خاصة خلال الفترات التي ينخفض فيها الإنتاج في بعض الدول المجاورة، وهو ما يمنح الأردن فرصة لاستعادة بعض من أسواقها التصديرية، شريطة وجود تخطيط وتنسيق جهود أفضل بين المزارعين بدلا من الاعتماد على القرارات الفردية.
وشدد الزين علي أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب العمل الجماعي وتغليب المصلحة الفردية وأن نجاح القطاع الزراعي يتطلب الانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، وربط الإنتاج بحاجات الأسواق المحلية والخارجية، بما يسهم في حماية المزارع، وضمان استقرار الأسعار، وتوفير منتجات بأسعار عادلة للمستهلك عبر إيجاد آليات أكثر فعالية.