قصيدة »بيروت خبز معجون بماء أحمر« لأدونيس أنموذجاً
ليس من السهل أن نقرأ أدونيس قراءة حرة، فاسمه يصل إلى القصيدة قبل أن تصل إليها أعيننا، وما إن يظهر توقيعه فوق النص حتى نستدعي معه تاريخاً طويلاً من الشعر والتجديد والتنظير والجدل وصورة شاعر اقترن اسمه بالحداثة العربية وكسر المألوف وإعادة النظر في التراث واللغة والعلاقة بين الشعر والعالم. وهكذا لا يدخل القارئ إلى النص خالي الذهن، بل يدخله محمّلاً بمكانة ورهبة صاحبه وبما قيل عنه وبما استقر في الوعي الثقافي من أحكام حول عبقريته أو غموضه أو تمرّده. من هنا ينشأ سؤال يتجاوز أدونيس إلى كل اسم كبير في الأدب والفكر والعلم: هل نستقبل النص أو الفكرة لقيمتها الكامنة فيها، أم نستقبلها متأثرين بالمكانة التي يشغلها صاحبها في أذهاننا؟ وهل يكون الإعجاب أحياناً نتيجة القراءة، أم شرطاً سابقاً عليها؟
تذكرت وأنا أقرأ قصيدة أدونيس (بيروت خبز معجون بماء أحمر) المنشورة في العدد الرابع والعشرين من مجلة 'البعد الخامس' موقفاً قديماً. استقللت يوماً سيارة أجرة يقودها رجل باكستاني تبدو عليه أمارات التدين، وكان يستمع إلى تلاوة قرآنية، سألته: هل تفهم ما يُتلى؟ قال: نعم. فسألته عن معنى الآية التي كان يسمعها، فسكت لحظة ثم أجهش بالبكاء، لكنه لم يستطع أن يبين معناها. لا يجوز أن نجعل هذا الموقف حكماً على فهم الرجل أو إيمانه، فقد يكون قد أدرك بعض المعنى ولم تسعفه اللغة، أو استيقظت في داخله ذاكرة دينية ووجدانية عميقة. لكن الموقف كشف لي أن التلقي لا يقوم دائماً على الفهم التحليلي وحده، فقد يتأثر الإنسان بإيقاع الكلام أو بقداسته أو بسلطته الرمزية قبل أن يستطيع تفسيره، وقد يكون التأثر صادقاً تماماً من غير أن يكون مصحوباً بوعي كامل بما صنع هذا التأثر.
ويحدث شيء قريب من ذلك في تلقّينا أعمال كبار الشعراء والأدباء والمفكرين، فالاسم المشهور لا يبقى مجرد توقيع يدل على صاحب النص، بل يتحول إلى إطار سابق يوجّه القراءة إذا وجدنا صورة غامضة عند شاعر مغمور قد نصفها بالاضطراب، أما إذا وجدناها لدى شاعر راسخ المكانة فقد نسارع إلى وصفها بالعمق، وإذا بدت الفكرة عادية في نص مجهول مررنا بها من غير اكتراث، لكننا قد نتوقف أمامها طويلاً إذا نُسبت إلى فيلسوف كبير، باحثين فيها عن دلالات خفية تليق باسمه. لا يعني ذلك أن القراء مخدوعون أو أن مكانة الكبار قامت على الوهم، فالأسماء الكبرى لم تصبح كبيرة من فراغ، وإنما راكم أصحابها أعمالاً وتجارب ومواقف جعلتهم جزءاً من التاريخ الثقافي، غير أن الاعتراف بقيمة المنجز العام شيء ومنح كل نص جديد قيمة مسبقة شيء آخر. قد يكون الشاعر عظيماً ولا تكون جميع قصائده عظيمة بالدرجة نفسها. وقد يكون المفكر مؤثراً ثم تصدر عنه فكرة ضعيفة أو متناقضة. وقد يكون العالم صاحب اكتشافات كبرى من غير أن يتحول كل رأي يقوله خارج اختصاصه إلى حقيقة علمية.
إن الخلط بين قيمة الشخص وقيمة كل ما يصدر عنه هو بداية ما يمكن تسميته 'سلطة الاسم'. حاول رولان بارت مواجهة هذه السلطة في مقالته المعروفة 'موت المؤلف'. لم يكن يقصد الموت الحقيقي للكاتب، بل تحرير النص من أن تكون نية صاحبه وسيرته ومكانته هي المفتاح الوحيد لمعناه، فالنص في نظره ليس وعاءً أودع فيه المؤلف حقيقة نهائية، وإنما فضاء تتداخل فيه لغات وثقافات وإشارات متعددة، ويشارك القارئ في إعادة تكوينه ومن هنا جاءت عبارته التي تربط ولادة القارئ بتراجع سلطة المؤلف.
لكن ميشيل فوكو قدّم تصوراً أكثر تعقيداً حين تحدث عن 'وظيفة المؤلف'، فاسم الكاتب ليس اسماً عادياً، وإنما يؤدي وظيفة في تنظيم النصوص وتصنيفها وتحديد الطريقة التي تُستقبل بها. عندما نقول إن النص لأدونيس لا نكون قد قدمنا معلومة خارجية فحسب، بل نكون قد هيأنا القارئ للبحث عن الأسطورة والانزياح والغموض والتوتر بين التراث والحداثة. الاسم بهذا المعنى يدخل في عملية إنتاج الدلالة، وقد يغير الأسئلة التي نوجهها إلى النص قبل أن نبدأ قراءته.
أما بيير بورديو، فيساعدنا على فهم كيفية اكتساب الاسم لهذه القوة من خلال مفهوم 'رأس المال الرمزي' ونظريته في الحقل الثقافي، فالعمل الأدبي لا يتحرك في فضاء محايد، بل داخل شبكة تضم النقاد والناشرين والجامعات والجوائز ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، ومن خلال الاعتراف المتراكم داخل هذه الشبكة يكتسب الكاتب مكانة تجعل اسمه نفسه حاملاً للقيمة والشرعية، ولا يلغي ذلك الخصائص الفنية للعمل، لكنه يبين أن القيمة الثقافية لا تُصنع داخل النص وحده، بل تشارك في صنعها مؤسسات الإنتاج والنشر والتفسير والتكريس
ولا تقتصر آثار المكانة على الأدب. فقد تناولت دراسات في تقويم البحوث العلمية ما يسمى 'تحيز المكانة'، حيث قد يؤدي ظهور اسم باحث مشهور أو مؤسسة مرموقة إلى معاملة العمل بصورة أكثر تفضيلاً ولو بصورة غير واعية. ولهذا تلجأ بعض الدوريات والمؤتمرات إلى المراجعة المجهّلة، بحيث لا يعرف المراجع اسم صاحب البحث أو المؤسسة التي ينتمي إليها، ولا يمكن نقل نتائج هذه الدراسات آلياً إلى الشعر، لأن الحكم الجمالي يختلف عن تقويم البحث العلمي، لكنها تكشف ميلاً إنسانياً عاماً إلى السماح للمعلومات السابقة عن صاحب العمل بالتأثير في الحكم على العمل نفسه.
تتيح قصيدة أدونيس عن بيروت فرصة مناسبة لاختبار هذا السؤال، لا لأنها نص ضعيف يجب إسقاط هيبة صاحبه عنه، ولا لأنها نص كامل يجب الاحتفاء به، بل لأنها عمل طويل وطموح يجمع بين الشعر والفكر والسياسة والأسطورة
تظهر بيروت في القصيدة مدينةً واقعية ورمزاً في آن واحد، مدينة للحرب والذاكرة وفضاء للأسئلة وموقعاً للصراع بين الحب والموت، وبين الإنسان والآلة، وبين المقدس والعنف الذي يتستر به، وتتوالى في المقاطع صور القنابل والصواريخ والدم والكتب المقدسة والغرب والحداثة والذكاء الاصطناعي حتى تبدو القصيدة محاولة لجميع اضطرابات العصر كلها داخل جغرافيا بيروت وذاكرتها.
وفي النص صور ذات قدرة واضحة على البقاء في الذاكرة، مثل تصوير بيروت بأنها ليست 'مستودع أجوبة'، بل 'رحم لتوليد الأسئلة'، أو التساؤل عما إذا كان الماء فيها قد بدأ يشك في ينابيعه، أو وصف اليقين بأنه شحاذ فقير مريض في هذا العصر. في مثل هذه المواضع لا تكتفي الصورة بشرح الموقف، بل تفتح أمامه مجالاً أوسع من المعنى، لكن القصيدة تتيح أيضاً أسئلة مشروعة: هل نجحت جميع مقاطعها في الحفاظ على التوتر الشعري نفسه؟ هل تحولت كثرة الصور والرموز إلى بناء متماسك، أم بدت بعض المقاطع أقرب إلى خطاب فكري وسياسي مباشر؟ وهل منحت الإطالة التجربة اتساعاً، أم جعلت بعض صورها ومعانيها تتكرر بعد أن كانت قد بلغت غايتها؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الانتقاص من أدونيس، بل يعني معاملته بجدية، فالمشكلة لا تبدأ عندما نختلف في تقويم النص، وإنما عندما تصبح مكانة الشاعر مانعاً من تقويمه أصلاً. إذا افترضنا أن كل غموض عند شاعر كبير هو عمق، وكل انقطاع هو تجديد، وكل إطالة هي اتساع رؤيوي، فإننا نكون قد استبدلنا التسليم بالنقد. وفي المقابل، يجب ألا تتحول مساءلة سلطة الاسم إلى موقف معاكس يرفض النص بسبب صاحبه، فقد يعمل اسم أدونيس بوصفه سلطة إيجابية تدفع إلى الإعجاب المسبق، لكنه قد يعمل أيضاً بوصفه سلطة سلبية عند من يدخلون إلى شعره محمّلين بالخصومة مع مواقفه الفكرية والسياسية. المعجب قد يرى الجمال قبل أن يختبره، والخصم قد يرى التهافت قبل أن يثبته. وفي الحالين تصبح القصيدة ضحية صورة سابقة عن صاحبها.
المطلوب، إذن، ليس إلغاء اسم المؤلف ولا تقديسه، وإنما تأجيل سلطته. يمكن أن تبدأ القراءة من النص نفسه.. من لغته وصوره وإيقاعه وبنائه وعلاقاته الداخلية، وبعد ذلك نستدعي السياق وسيرة الشاعر ومشروعه الفكري لنوسع الفهم لا لنفرضه، فالسياق الحقيقي يضيء ما هو موجود في النص، لكنه ينبغي ألا يخترع له قيمة لا يستطيع النص أن يُقيمها بنفسه.
وربما كان الاختبار الأبسط أن نتخيل القصيدة منشورة من غير توقيع. هل كنا سنمنحها الصبر نفسه؟ هل كنا سنحتفي بالصور ذاتها؟ هل كنا سنقبل امتدادها وانتقالاتها ونبرتها الخطابية؟ وفي الاتجاه المقابل: هل كنا سنهمل لحظاتها المضيئة لو لم يدلّنا اسم أدونيس على وجوب الانتباه إليها؟
ليس الغرض من هذا الافتراض الوصول إلى حكم قطعي، بل كشف ما يحمله القارئ معه إلى النص، فالقراءة الخالية تماماً من الأحكام السابقة أمر يكاد يكون مستحيلاً. نحن نقرأ من خلال لغتنا وثقافتنا وذاكرتنا ومواقفنا وتجاربنا، لكن استحالة الحياد الكامل لا تعني الاستسلام للتحيز، بل تجعل الوعي به ضرورة نقدية. وتتجاوز المسألة الشعر إلى حقول أخرى. كم من عبارة عادية تُتداول لأنها نُسبت إلى أديب مشهور، ولو كتبها مجهول لما التفت إليها أحد؟ وكم من فكرة تستمد هيبتها من اسم الفيلسوف أكثر مما تستمدها من قوتها المنطقية؟ وكم من رأي يصدر عن عالم كبير في غير مجال اختصاصه فيعامَل كما لو كان امتداداً لاكتشافاته العلمية؟
حين يطغى الاسم، يتوقف السؤال: 'ما الدليل؟'، ويحل محله سؤال آخر: 'مَن القائل؟'. وهنا تنشأ مفارقة خطرة، فالمفكر الذي صنع مكانته لأنه علّمنا الشك والسؤال قد يتحول مع الزمن إلى سلطة تمنعنا من الشك في كلامه، والشاعر الذي تمرّد على القوالب قد يصبح هو نفسه قالباً نقدياً جاهزاً، والعالم الذي بنى معرفته على الاختبار قد يُستقبَل رأيه بوصفه حقيقة لا تحتاج إلى اختبار. لا تكون مقاومة سلطة الاسم بإنكار قيمة الكبار، بل بفصل الاحترام عن الطاعة. نستطيع أن نعترف بمكانة أدونيس في الشعر العربي وأن نجد في قصيدة له تفاوتاً أو مباشرة أو إطالة، ونستطيع أن نعجب بمفكر ثم نرفض بعض أفكاره أو نقدر عالماً من غير أن نتبعه خارج حدود أدلته واختصاصه، فالمنجز الكبير لا يحتاج إلى حصانة بل إلى قارئ قادر على التمييز.
إن أخطر ما يصيب الكاتب الكبير ليس النقد القاسي، وإنما الإعجاب الذي يعفيه من النقد. حين تتحول المكانة إلى ضمانة دائمة تتساوى الأعمال القوية والضعيفة، ويفقد النقد وظيفته، ويتحول القارئ من شريك في إنتاج المعنى إلى متلقٍّ ينتظر من الاسم أن يخبره بما يجب أن يشعر به، وقد يكون في هذا ظلم لأدونيس نفسه. فشاعر جعل من السؤال والاختلاف ومقاومة الثابت عناصر أساسية في مشروعه ينبغي ألا يتحول اسمه إلى ثابت ثقافي جديد. إن احترام تجربته لا يكون بترديد عظمتها أمام كل نص، بل بمنح قصائده حقها في أن تُقرأ وتُختبر وتُقبل أو تُناقش كل واحدة بما تستطيع أن تقيمه داخل لغتها.
لهذا لا تتمثل المسألة في إثبات أن قصيدة أدونيس جيدة أو ضعيفة، ولا في إسقاط مكانته أو الدفاع عنها. القصيدة هنا أنموذج لسؤال أوسع: ماذا يفعل الاسم الكبير في وعينا عندما نقرأ؟
ربما لا نستطيع أن نمنع الاسم من الوصول إلى النص قبلنا، لكننا نستطيع أن نمنعه من إصدار الحكم نيابة عنا. نستطيع أن نصغي إلى القصيدة قبل أن نصغي إلى شهرة شاعرها، وأن نفحص الفكرة قبل أن ننحني لهيبة قائلها وأن نسأل عن الدليل قبل أن نطمئن إلى اللقب.
فالقيمة الحقيقية ينبغي ألا تخشى هذا الامتحان، والنص العظيم لا يصغر عندما نرفع عنه اسم صاحبه، بل يثبت عندئذ أنه قادر على أن يحمل اسمه لا أن يحمله الاسم.