300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً لدعم عمّان والمحافظات
إعادة توزيع المصادر الحالية وتعزيز استخدام المياه المعالجة
أجمع خبراء في قطاع المياه على أن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر يمثل ركيزة استراتيجية لتعزيز منظومة الأمن المائي في المملكة، ويعد من أبرز المشاريع الوطنية الهادفة إلى تنويع مصادر المياه، ودعم استدامة التزويد، ورفع كفاءة إدارة الموارد المائية، بما يواكب النمو السكاني والاقتصادي خلال العقود المقبلة.
وأشار الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن المشروع يستهدف توفير نحو 300 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المحلاة، يتم إنتاجها في العقبة ونقلها إلى العاصمة عمّان وعدد من محافظات المملكة، بما يعزز استدامة التزويد بالمياه ويدعم تنفيذ الخطط الوطنية الرامية إلى تطوير القطاع المائي. وأكدوا أن المشروع يشكل محورًا رئيسيًا ضمن منظومة متكاملة من المشاريع والبرامج التي تستهدف تعزيز الأمن المائي، إلى جانب رفع كفاءة شبكات المياه، وخفض الفاقد، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة.
وأكد وزير المياه والري الأسبق حازم الناصر أن مشروع الناقل الوطني يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في قطاع المياه، مشددًا على أن تعزيز الأمن المائي في المملكة يستند إلى تنفيذ حزمة متكاملة من البرامج والمشروعات التي تسهم في تنويع مصادر المياه ورفع كفاءة إدارتها، إلى جانب مشروع الناقل الوطني.
وشدد الناصر على أهمية البدء، بالتوازي مع تنفيذ مشروع الناقل الوطني، بالتخطيط للمشروعات المائية المستقبلية، بما يضمن استدامة تزويد المواطنين بالمياه، والمحافظة على مستويات خدمة مستقرة، وبما يراعي الكلف الاقتصادية وقدرة المواطنين على تحملها.
وفيما يتعلق بالجدول الزمني للمشروع، أوضح الناصر أن تنفيذ الناقل الوطني يحتاج، وفق التقديرات، إلى نحو ست سنوات، ما يعني أن وصول مياه المشروع، في حال سير التنفيذ وفق البرنامج الزمني ودون معوقات تنفيذية أو لوجستية أو مالية، سيكون خلال صيف عام 2032.
وأشار إلى أن وزارة المياه والري أعدت خطة لإعادة توزيع مصادر المياه الحالية، بحيث يعاد توجيه جزء من المصادر التي تزود العاصمة عمّان ومحافظة الزرقاء إلى محافظات الشمال، بما يشمل إربد وجرش وعجلون والمفرق، إلى جانب إعادة توزيع بعض المصادر بما يخدم احتياجات المحافظات الأخرى، ويرفع كفاءة الاستفادة من الموارد المائية المتاحة.
وبيّن أن النهج ذاته سيطبق في محافظات الجنوب، إذ سيتم، وفق خطة إعادة توزيع المصادر، توجيه بعض الآبار التي تضخ حاليًا باتجاه عمّان من مناطق القسطل والوسواقة والقطرانة إلى محافظات الجنوب، مثل الكرك والطفيلة ومعان، بما يحقق توزيعًا أكثر كفاءة للمصادر المائية.
وحول الكلفة الاقتصادية للمشروع، قال الناصر إن الكلفة الرأسمالية للناقل الوطني تقدر بنحو 5.8 مليار دولار، فيما يبلغ سعر المتر المكعب من المياه، وفق التقديرات، نحو 2.7 دولار، أي ما يقارب دينارين أردنيين. وأضاف أنه عند احتساب فاقد المياه وكلف التشغيل والنقل والتوزيع، قد تصل الكلفة النهائية للمتر المكعب الواصل إلى المواطنين في عمّان ومحافظات الشمال إلى نحو ثلاثة دنانير، في حين يبلغ متوسط ما تستوفيه سلطة المياه من المواطنين نحو دينار واحد للمتر المكعب.
وأوضح الناصر أن آلية تغطية الفجوة بين كلفة إنتاج ونقل المياه والتعرفة التي يدفعها المواطن تعد من القرارات التي ستحددها الحكومة، سواء من خلال الدعم الحكومي، أو مراجعة تعرفة المياه، أو اعتماد مزيج من الخيارين، مرجحًا أن يتم تطبيق دعم حكومي للمشروع بالتوازي مع مراجعات تدريجية للتعرفة خلال السنوات المقبلة، بما يحقق التوازن بين استدامة المشروع والاعتبارات المالية.
من جانبه، قال المستشار في قطاع المياه والري المهندس إبراهيم حياصات إن قطاع المياه يواصل العمل على تلبية الطلب المتزايد على المياه المخصصة لأغراض الشرب والصناعة والسياحة، في ظل النمو السكاني والتوسع العمراني، إلى جانب المتغيرات الإقليمية، الأمر الذي يجعل تنويع مصادر المياه وتعزيز استدامتها أولوية وطنية.
وأوضح أن الزيادة المستمرة في الطلب على المياه دفعت القطاع إلى تعزيز عمليات الضخ والاستخراج من الأحواض المائية والمياه الجوفية لتلبية الاحتياجات المتنامية، مؤكداً أهمية مواصلة تنفيذ المشاريع التي تسهم في الحفاظ على الموارد المائية وضمان استدامتها، في ظل ارتفاع معدلات الاستهلاك مقارنة بمعدلات التغذية الطبيعية للأحواض المائية من الأمطار والفيضانات.
وأضاف الحياصات أن التغيرات المناخية تشكل أحد العوامل المؤثرة في الموارد المائية، من خلال انعكاسها على معدلات الهطول المطري وكميات المياه المتاحة، إلى جانب وجود مصادر مائية مشتركة مع دول الجوار، ما يعزز أهمية تنويع مصادر المياه الوطنية وتطويرها بما يدعم الأمن المائي للمملكة.
وأشار إلى أن من أبرز أولويات قطاع المياه مواصلة العمل على خفض الفاقد المائي بشقيه الإداري والفيزيائي، موضحاً أن الفاقد الإداري يرتبط بالاستجرار غير المشروع للمياه، فيما يعود الفاقد الفيزيائي إلى تهالك أجزاء من شبكات المياه وما ينتج عنه من تسربات، الأمر الذي يجعل تطوير الشبكات وتحسين كفاءتها جزءاً أساسياً من خطط القطاع.
وأكد أن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر يمثل إضافة استراتيجية لمنظومة المياه في المملكة، من خلال توفير مصدر مائي إضافي ومستدام، مشيراً إلى أن الأردن يستهلك حالياً نحو 500 مليون متر مكعب سنوياً لأغراض الاستخدامات البلدية، بما يشمل مياه الشرب واحتياجات القطاعات الصناعية والسياحية، إلى جانب متطلبات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وبيّن الحياصات أن مشروع الناقل الوطني سيؤمن نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة، يتم إنتاجها في العقبة ونقلها إلى العاصمة عمّان والمحافظات الأخرى، موضحاً أن هذه الكمية تمثل نحو 40% من إجمالي كميات المياه المستخدمة حالياً لأغراض الشرب والصناعة والسياحة، ما يجعلها رافداً مهماً لمنظومة المياه في المملكة.
ولفت إلى أن هذه الكميات الإضافية ستعزز استدامة التزويد بالمياه للاستخدامات البلدية والاقتصادية، وستنعكس بصورة إيجابية على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، فضلاً عن دورها في دعم النشاط الاقتصادي، وتعزيز فرص التنمية، وتشجيع إقامة مشاريع استثمارية جديدة.
وأشار إلى أن الأثر الفعلي لهذه الكميات سيبدأ بالظهور مع استكمال مشروع الناقل الوطني ودخوله مرحلة التشغيل، متوقعاً، وفقاً لما أعلنته الجهات المعنية، أن يبدأ تشغيل المشروع بحلول عام 2030، بما يسهم في زيادة كميات المياه المتاحة للاستخدامات البلدية والاقتصادية.
وأكد الحياصات، في الوقت ذاته، أن النمو السكاني والاقتصادي والتوسع العمراني يستدعي مواصلة تنفيذ المشاريع المائية المستقبلية، مبيناً أن مشروع الناقل الوطني يشكل خطوة استراتيجية ضمن منظومة متكاملة تستهدف تعزيز الأمن المائي، وتلبية الاحتياجات المتزايدة، ورفع كفاءة إدارة الموارد المائية في المملكة.
وأضاف أن زيادة كميات المياه المخصصة لأغراض الشرب والاستخدامات البلدية ستنعكس إيجاباً على القطاع الزراعي، إذ ستؤدي إلى زيادة كميات مياه الصرف الصحي الواصلة إلى محطات المعالجة، وبالتالي رفع كميات المياه المعالجة التي يمكن إعادة استخدامها في الزراعة.
وبيّن أن المياه المعالجة يعاد استخدامها في القطاع الزراعي من خلال خلطها مع مياه الأمطار المخزنة في عدد من السدود، الأمر الذي يسهم في زيادة كميات المياه المتاحة للزراعة وتعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية، مشيراً إلى أن تشغيل الناقل الوطني من المتوقع أن يوفر، بصورة غير مباشرة، كميات إضافية من المياه للقطاع الزراعي، إلى جانب تعزيز كميات المياه المتاحة للاستخدامات البلدية.
وقال الحياصات إن هذه المنظومة ستسهم في تحقيق استفادة أكبر من الموارد المائية المتاحة، من خلال إعادة توزيعها وفق أولويات الاستخدام، بما يعزز توفير المياه لأغراض الشرب والاستخدامات البلدية، بالتوازي مع التوسع في الاستفادة من المياه المعالجة في القطاع الزراعي.
بدورها، قالت الخبيرة في مجال المياه الدكتورة منى هندية إن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر يمثل إضافة نوعية لمنظومة الأمن المائي في المملكة، من خلال إنشاء مصدر مائي جديد ومستدام لا يعتمد بصورة مباشرة على الهطولات المطرية أو تخزين مياه السدود، بما يعزز استقرار إمدادات مياه الشرب ويرفع قدرة القطاع المائي على مواكبة المتغيرات المناخية.
وأوضحت أن المشروع سيسهم كذلك في تخفيف الضغط على الأحواض الجوفية، بما يتيح المجال لتعزيز استدامتها على المدى الطويل، إلى جانب دعم استقرار التزويد المائي للأسر والقطاعات الاقتصادية، ولا سيما في العاصمة عمّان ومحافظة الزرقاء، إضافة إلى محافظات الشمال والوسط.
وأضافت أن أهمية المشروع لا تقتصر على توفير كميات إضافية من المياه، وإنما تمتد إلى تعزيز استقلالية القرار المائي الأردني من خلال توفير مصدر وطني للمياه داخل أراضي المملكة، لافتة إلى أن إدخال المياه المحلاة إلى منظومة الاستخدامات المنزلية سيسهم بصورة غير مباشرة في إعادة توزيع الموارد المائية الحالية ورفع كفاءة استخدامها.
وبينت هندية أنه مع توفير مصدر جديد للمياه المحلاة، يمكن تعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية من خلال تخفيف الاعتماد على المياه الجوفية الصالحة للشرب، بالتوازي مع التوسع في توجيه المياه المعالجة والآمنة إلى القطاع الزراعي، بما يدعم استدامة الموارد المائية ويرفع كفاءة إدارتها.
وفيما يتعلق بقدرة المشروع على تعزيز التزويد المائي، قالت هندية إن العجز المائي في الأردن يقدر بنحو 450 مليون متر مكعب سنويًا، في حين تبلغ الطاقة الإنتاجية للمشروع نحو 300 مليون متر مكعب سنويًا، ما يعني أن الناقل الوطني سيسهم في تغطية نحو ثلثي حجم العجز المائي الحالي.
وأكدت، في الوقت ذاته، أن المشروع سيسهم في تلبية جانب كبير من الاحتياجات المائية حتى عام 2040، مع استمرار الحاجة إلى تنفيذ مشاريع وإجراءات مائية أخرى تواكب النمو السكاني والتوسع العمراني والطلب المتزايد على المياه، مشيرة إلى أن جزءًا من إنتاج المشروع سيخصص لتلبية الاحتياجات المستقبلية إلى جانب دعم الكميات المتاحة حاليًا.
وشددت هندية على أهمية أن يتزامن تشغيل الناقل الوطني مع مواصلة تنفيذ برامج خفض الفاقد المائي، وتطوير شبكات المياه، وتحسين عمليات التخزين والتوزيع وإدارة الضخ، بما يضمن الاستفادة المثلى من الكميات المنتجة وتحقيق الأثر المستهدف للمشروع.
وحول موعد ظهور الأثر الفعلي للمشروع، أوضحت أن انعكاس نتائجه على المواطنين سيكون بصورة تدريجية، تبدأ مع استكمال التمويل وتوقيع الاتفاقيات والانتقال إلى مراحل التنفيذ والإنشاء وربط المشروع بمصادر الطاقة، وصولًا إلى بدء التشغيل وضخ المياه في الشبكات.
وأضافت أن الأثر الأولي سيبدأ بالظهور مع التشغيل التجريبي وضخ الكميات الأولى من المياه وربطها بالخزانات وشبكات التوزيع، فيما سيتعزز الأثر بصورة أكبر بعد الوصول إلى تشغيل مستقر قريب من الطاقة التصميمية، بما ينعكس على انتظام التزويد المائي وتعزيز استدامة الموارد المائية.
وأكدت هندية أن تحقيق هذه النتائج يرتبط بالالتزام بالبرنامج التنفيذي للمشروع، واستكمال ترتيبات التمويل، وتوفير الطاقة اللازمة، وإنجاز البنية التحتية المصاحبة وفق الجداول الزمنية المحددة، بما يضمن دخول المشروع مرحلة التشغيل والاستفادة من كميات المياه التي سيوفرها.
وفيما يتعلق بالتمويل، اعتبرت هندية أن تمويل 97 مليون دولار من قبل الوكالة الفرنسية للإنماء يمثل خطوة مهمة نحو استكمال تمويل مشروع الناقل الوطني، الذي يعد من أكبر مشاريع البنية التحتية في المملكة، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تقرب المشروع من مرحلة الإغلاق المالي والانتقال إلى التنفيذ الفعلي.
وأضافت أن استكمال التمويل يشكل محطة مهمة في مسار المشروع، إلى جانب مواصلة العمل على ضبط كلف الإنشاء والتشغيل، وتأمين الطاقة اللازمة، وحماية البيئة البحرية في خليج العقبة، وخفض الفاقد المائي، وتعزيز كفاءة توزيع المياه بين مختلف المحافظات، بما يدعم استدامة المشروع وتحقيق أهدافه.
وقالت هندية إن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر يمثل تحولًا استراتيجيًا في تطوير منظومة المياه في المملكة، من خلال توفير مصدر مائي مستدام وقابل للتخطيط على المدى الطويل، مؤكدة أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقتصر على إنتاج 300 مليون متر مكعب سنويًا، وإنما تمتد إلى ما يوفره من تعزيز للأمن المائي، ودعم للاستقرار الاقتصادي، ورفع قدرة المملكة على تلبية احتياجاتها المائية المستقبلية بكفاءة واستدامة.
وفي المحصلة، أجمع الخبراء على أن مشروع الناقل الوطني يشكل محطة مفصلية في مسيرة تطوير قطاع المياه في المملكة، باعتباره ركيزة أساسية ضمن منظومة متكاملة لتعزيز الأمن المائي، إلى جانب مواصلة تطوير مصادر المياه، وخفض الفاقد، وحماية الأحواض الجوفية، وتحسين كفاءة شبكات التوزيع، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، بما يواكب النمو السكاني والاقتصادي ويعزز استدامة الموارد المائية في المملكة.