القرار أتاح استثمار الشواغر لضمان استمرار تقديم الخدمات
أقر مجلس الوزراء تعديلات على نظام الإجازات دون راتب لموظفي القطاع العام، في خطوة تستهدف تعزيز مرونة إدارة الموارد البشرية وتحقيق التوازن بين مصلحة الموظف واستمرارية تقديم الخدمات الحكومية.
وتضمنت التعديلات تسهيلات جديدة للعاملين الراغبين في العمل أو الدراسة خارج المملكة، إلى جانب إجراءات تتيح للدوائر الحكومية الاستفادة من الشواغر المؤقتة، بما يسهم في رفع كفاءة الجهاز الحكومي وفتح المجال أمام تشغيل كوادر جديدة.
وشملت التعديلات تخفيض مدة الخدمة المطلوبة للحصول على إجازة دون راتب من خمس سنوات إلى ثلاث سنوات، وإلغاء تحديد سقف زمني للإجازة لتصبح مفتوحة وفق الضوابط المعتمدة، إضافة إلى إلغاء شرط عودة الموظف إلى عمله قبل خمس سنوات من استحقاق الراتب التقاعدي.
كما وسعت التعديلات مدة الإجازة المخصصة للدراسة لتصبح خمس سنوات داخل المملكة وخارجها، ومنحت الموظف حرية الاشتراك في الضمان الاجتماعي خلال فترة الإجازة، وألزمت المجاز بإشعار دائرته بنيته العودة قبل عام من موعدها، مع السماح للجهات الحكومية بتعبئة الشواغر الناتجة عن الإجازات لضمان استمرارية الخدمات، على أن تسري الأحكام الجديدة على الموظفين الحاصلين حاليا على إجازات دون راتب.
في ذات الاطار قال مدير معهد الإدارة العامة الأسبق الدكتور راضي العتوم في حديث الى «الراي «إن التعديلات الأخيرة على نظام الإجازات دون راتب تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الإدارية والاقتصادية، بعد أن ألحقت التعديلات السابقة، بحسب وصفه، ضررًا بالموظف العام وبجهود التنمية، إذ حدّت من قدرة الموظفين على الاستفادة من فرص العمل خارج المملكة لتحسين أوضاعهم المعيشية وتأمين مستقبل أسرهم.
وأوضح العتوم أن القرار الجديد أعاد التوازن إلى النظام، من خلال إتاحة المجال أمام الموظف الكفؤ للحصول على إجازة دون راتب للعمل خارج الأردن، ضمن ضوابط واضحة، أبرزها اشتراط خدمة لا تقل عن ثلاث سنوات قبل الاستفادة من الإجازة، بما يحقق التوازن بين مصلحة الموظف ومتطلبات المرفق العام.
وأضاف أن لهذا التعديل أبعادا تتجاوز مصلحة الموظف، إذ يسهم في التخفيف من معدلات البطالة بين الشباب، كما يشكل أحد الحلول العملية لمعالجة حالات البطالة المقنعة في بعض المؤسسات الحكومية، الأمر الذي يعزز كفاءة الجهاز الحكومي ويرفع فاعلية الأداء العام.
وفيما يتعلق بإدارة الموارد البشرية، أشار العتوم إلى أن التخطيط للقوى العاملة في العديد من المؤسسات الحكومية ما يزال يفتقر إلى الأسس العلمية، مبينًا أن إجراءات طلب الشواغر والتعيين غالبًا لا تستند إلى دراسات دقيقة للاحتياجات الفعلية، رغم وجود مؤسسات تعاني نقصًا واضحًا في كوادرها البشرية، إلا أن محدودية المخصصات المالية تحول دون تعيين الأعداد المطلوبة.
ورأى العتوم أن تمكين المؤسسات من تعبئة الشواغر الناتجة عن منح الإجازات دون راتب يحمل فوائد متعددة، إذ يعزز دور الإدارة الأردنية في إعداد الكفاءات وتدريبها، ويكرس خبراتها القابلة للتصدير إلى أسواق العمل الخارجية، بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني ويعزز السمعة المهنية للكفاءات الأردنية.
وأكد أن هذه الآلية تتيح كذلك فرصا لتعيين شباب جدد في الوظيفة العامة، بما يضخ دماء جديدة ومعارف علمية حديثة في المؤسسات الحكومية، ويسهم في دعم مسيرة التطوير والتحديث الإداري، شريطة توافر قيادات إدارية قادرة على استثمار هذه الطاقات وإدارتها بكفاءة.
من جهته أكد خبير الإدارة العامة وأمين عام وزارة تطوير القطاع العام الأسبق الدكتور عبدالله القضاة أن التعديلات الأخيرة على نظام الإجازات دون راتب تمثل خطوة إصلاحية في إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، مشيرا إلى أن أهميتها لا تكمن في كونها تعديلًا على الإجازات فحسب، وإنما في أنها تعكس تحولًا في فلسفة الإدارة الحكومية نحو إدارة أكثر مرونة وكفاءة لرأس المال البشري.
وقال القضاة في حديث لـ $ إن القرار يسعى إلى تحقيق توازن بين ثلاثة أهداف رئيسة تتمثل في الحفاظ على مصلحة الموظف، وضمان استمرارية تقديم الخدمات الحكومية، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد البشرية، وهو ما يجعله من أبرز التعديلات الإدارية في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن من أبرز الجوانب الإيجابية للقرار إتاحة استثمار الشواغر الناتجة عن منح الإجازات دون راتب، بما يمنع تجميد الوظائف ويضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطنين، إلى جانب إلزام الموظف بإبلاغ دائرته قبل عام من موعد عودته، وهو إجراء يوفر للمؤسسات الحكومية الوقت الكافي للتخطيط لعمليات الإحلال والتعيين وتجنب أي نقص مفاجئ في الكوادر.
وأضاف أن المرونة التي أتاحها التعديل تساعد على الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية، إذ تمنح الموظف فرصة العمل خارج المملكة واكتساب خبرات جديدة دون أن يضطر إلى الاستقالة من وظيفته، كما أن إلغاء شرط العودة إلى الوظيفة قبل خمس سنوات من التقاعد أنهى -بحسب وصفه- تشوهًا تنظيميا كان يدفع بعض الموظفين إلى اتخاذ قرارات لا تخدم مصلحتهم ولا مصلحة الإدارة العامة.
وأشار إلى أن التعديل ينطلق من رؤية تعتبر الموظف رأس مال بشري يمكن أن يغادر مؤقتا لاكتساب المعرفة والخبرة ثم يعود إلى مؤسسته أكثر كفاءة وقدرة على العطاء.
وفي الجانب الاقتصادي، بين القضاة أن القرار يحمل انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني، إذ يسهم في الحفاظ على التحويلات المالية التي يرسلها الأردنيون العاملون في الخارج، والتي تشكل مصدرا مهما لدعم الاقتصاد، لافتا إلى أن عدم إتاحة الإجازة دون راتب كان قد يؤدي، وفق تقديراته، إلى تراجع هذه التحويلات وزيادة الأعباء المالية على خزينة الدولة نتيجة عودة الموظفين وصرف رواتبهم.
وأضاف أن الموظف المجاز لا يتقاضى راتبا من الحكومة طوال مدة الإجازة، الأمر الذي يخفف من الكلف التشغيلية على الموازنة العامة، وفي الوقت نفسه يتيح للجهات الحكومية الاستفادة من الشاغر وفق احتياجاتها الفعلية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أوضح أن القرار يعزز الاستقرار الوظيفي والأسري، لأنه يمنح الموظف فرصة الاستفادة من فرص العمل الخارجية دون فقدان وظيفته، ويعزز شعوره بأن الدولة تدعم تطوره المهني ولا تقف عائقًا أمامه. ودعا إلى الإبقاء على اشتراط الاشتراك في الضمان الاجتماعي كأحد متطلبات منح الإجازة، بما يضمن استمرار الحماية التأمينية للموظف وأفراد أسرته، مع منح الموظف حرية اختيار آلية الاشتراك بما يحافظ على حقوقه التأمينية.
ولفت القضاة أن نجاح هذه التعديلات يبقى مرهونا بحسن تطبيقها وفق ضوابط واضحة ورقابة فاعلة، معتبرا أنها تمثل انتقالا من الإدارة التقليدية القائمة على بقاء الموظف في موقعه الوظيفي إلى إدارة حديثة ترتكز على المرونة، والحفاظ على الكفاءات، والتخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة، بما يحقق مصلحة الموظف ويحافظ في الوقت ذاته على حق المواطن في الحصول على خدمات حكومية مستمرة وعالية الجودة.