كتاب

المحروقات سترتفع.. لهذا السبب؟

ليس ثمة ما هو أسهل من دغدغة عواطف الشارع، وليس أيسر من التقاط صورة خاطفة لشاشة أسعار النفط في آخر أسبوع من الشهر للقول بان'النفط انخفض، فلماذا قد ترفع الحكومة أسعار المحروقات للشهر المقبل؟.
الحقيقة تقول ان الطرح المالي المستدام لا يبنى على 'اللقطات العابرة'، بل على شريط متكامل من الأرقام والمعادلات الحسابية التي لا تجامل أحدا، وهنا الحقيقة تقول وبعيدا عن الشعبوية، أن معادلة تسعير المشتقات النفطية تعتمد على المعدل الموزون للأسعار طوال أيام الشهر، وليس على قراءة آخر 48 ساعة.
صحيح أن خام برنت تراجع في نهاية تموز ليحوم حول مستويات 89 - 91 دولارا للبرميل بعد انحسار المخاوف الجيوسياسية في المنطقة، لكن الصحيح الأكثر صحة أيضا يقول ان الخام ذاته قفز خلال أسابيع الشهر إلى حدود 100 دولار للبرميل، مما رفع المتوسط الشهري العام لكلفة الاستيراد والتكرير.
والأهم من المتوسط الشهري، هو 'الفاتورة المؤجلة' التي ظلت الخزينة تسددها نيابة عن المواطنين طوال الأشهر الماضية، فالأرقام تشير إلى أن الحكومة تحملت دعما تراكميا مباشرا تجاوز 170 مليون دينار لاحتواء صدمات الأسعار وتدرجت بها وفي كافة المشتقات.
وعلى سبيل المثال لا الحصر على الدعم الحكومي، فقد بيع لتر البنزين (90) للمواطن بـ 1000 فلس، في حين أن كلفته الفعلية الحقيقية بلغت 1069 فلسا، أي أن الخزينة كانت تتحمل 69 فلسا عن كل لتر.
وأما في السولار، فقد بلغت الكلفة الفعلية 960 فلسا بينما بيع بـ 850 فلسا، حيث لم تعكس الحكومة سوى 35% فقط من الزيادة الفعلية، ناهيك عن أسطوانة الغاز التي تباع بـ 7 دنانير بينما تتجاوز كلفة إيصالها للمنزل 12.3 دينار بدعم يتجاوز 43% للأسطوانة الواحدة.
للاسف ان استمرار هذا الفارق الهيكلي بين التكلفة الفعلية وسعر البيع المحلي لم يعد مسألة 'خيارات مرنة'، بل أصبح يشكل ضغطا تنزف منه الموازنة العامة لدفع ثمن هذه الشعبويات على أجيال باكملها.
الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها تكمن في ان الاقتصاد الوطني لا يدار بترحيل الأزمات، والتوازن المالي يحتم عدم استنزاف قدرة الدولة المالية في دعم استهلاكي متفش، على حساب المخصصات التنموية والخدمية الأساسية.
خلاصة القول، قرار الرفع المرتقب ليس رغبة في التضييق، ولا نكاية اقتصادية، بل هو استحقاق رقمي فرضته التكلفة الحقيقية وسنوات امتصاص الصدمات نيابة عن السوق المحلي، وعلى الحكومة عدم الانجرار وراء الشعبويات وعليها ان تنحاز للموازنة التي قد يدفع ثمنها أبناؤنا جميعا ان بقيت الشعبويات تقودها.