كتاب

لكم الله يا أطفال غزة...

ليست المآسي الكبرى تلك التي تُمطر الأرض بالنار، بل تلك التي تُطفئ في الإنسان قدرته على ممارسة إنسانيته.

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يخطئ ويصيب، يبني ويهدم، ينتصر ويُهزم...

لكن شيئًا واحدًا ظل يميزه عن سائر المخلوقات: أنه كان، كلما رأى المظلوم، شعر بوخزةٍ في ضميره، وكلما سمع استغاثةً، أدرك أن في عنقه دينًا اسمه الإنسانية.

و جاء يومٌ لم يعد فيه الألم يوقظ القلوب، ولم تعد الدمعة تُحرّك الضمائر، فليس الذي مات إنسان بعينه، وإنما مات معنى الإنسان نفسه....

السؤال الذي سيبقى، بعد أن تصمت المدافع، وتُطوى البيانات، وتغيب أسماء الساسة، سؤالٌ واحد لا ثاني له: كيف وقف الإنسان أمام الإنسان...

الحضارة لا تُقاس بما يبلغه العقل من براعة، بل بما يحفظه القلب من رحمة، فما قيمة مدينةٍ تلامس أبراجها السحاب إذا كانت لا تسمع أنين طفل؟..

ما جدوى قوانين تملأ رفوف العالم إذا عجزت عن أن تجعل حياة الإنسان أقدس من المصالح؟ وما معنى أن ينتصر العلم على الأمراض إذا هُزم الضمير أمام مشهد الألم؟

يتعلم الأطفال في غزة أن يميزوا بين هدير الطائرة وصمت الفجر قبل أن يتعلموا أسماء الفصول، وحيث أصبحت الأم تُحسن عدَّ الغائبين أكثر مما تُحسن عدَّ الأيام، تقف غزة، لا لتسأل العالم عن حقها وحدها، بل لتسأله عن حقيقة نفسه...

غزة ليست مدينةً تبحث عن الشفقة،

إن أخطر ما يصيب المأساة أنها، مع كثرة تكرارها، تفقد قدرتها على إدهاش الناس.

يصبح الركام منظرًا مألوفًا، والدم خبرًا عابرًا، والطفل رقمًا في جدول، والأم سطرًا في تقرير.

سيأتي يومٌ تنقشع فيه سحب الحرب، كما انقشعت من قبلها سحب حروبٍ ظن أصحابها أنها ستدوم إلى الأبد.

ستُرفع الأنقاض، وتُعاد كتابة الخرائط، وتتبدل الوجوه، وتخبو ضوضاء السياسة.

غير أن التاريخ لن يقف طويلًا عند عدد الأبنية التي سقطت، عندئذٍ، لن تكون غزة هي المتهمة، ولا حتى المدعية، بل ستكون الشاهد الذي لا يكذب.

طفلها لا يجد حبة و لا كسرة من خبز و لا كأسا من ماء ليست صالحة للشرب...

سنسأل عن كل ألم و جرح و نقطة دم سالت من أطفال غزة لأننا لم نقدم لهم الغوث ووقفنا نتفرج على إنسانية تقتل بلا سبب سوى أنها من غزة ذلك الجرح المراق دمه على مدى السنين التي تحاصرنا ولا نعير وزنا لما نرى حتى باتت الإنسانية غائبة عن مشهد يقطع القلب والروح...

غزة ليست القضية الوحيدة في هذا العالم، لكنها القضية التي كشفت أن الإنسانية ليست لقبًا نحمله، بل مسؤولية نحيا بها أو نخونها.

وكلما قرع التاريخ أبوابه، لم يسأل الأمم: كم كانت قوية؟ بل سألها: كم كانت عادلة؟ ولم يسألها: ماذا امتلكت؟ بل سألها: ماذا حفظت من كرامة الإنسان؟

وسيظل هذا السؤال معلقًا فوق رؤوس الأجيال، لا يشيخ ولا يخفت، لأن الحضارات لا تموت يوم تُهزم جيوشها، وإنما تموت يوم تعجز عن أن ترى في الإنسان إنسانًا.

لا تغدو غزة اسمًا لمدينةٍ في أقصى الشرق، بل تغدو اسمًا للامتحان الذي وقف أمامه العالم كله،امتحانٍ لم يكن السؤال فيه: من يملك القوة؟ بل: من بقي إنسانًا حين كان الإنسان أحوج ما يكون إلى الإنسان؟...

عضو الهيئة التنفيذية لجمعية الهلال الأحمر الأردني