في هذا العام، تحتفل رعية وكنيسة مار الياس اللاتينية في الوهادنة، شمال الأردن، بمئوية تأسيسها (1926-2026)، لتستعيد قرناً كاملاً من الإيمان والعطاء والخدمة، في وطنٍ كان وسيبقى نموذجاً في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.
تقع الوهادنة على سفوح جبال عجلون، مطلة على غور الأردن وشمال فلسطين، في منطقة ارتبطت بالنبي إيليا، شفيع الرعية، الذي تشير التقاليد إلى أن بلدة لستب المجاورة هي تشبةجلعاد، مسقط رأسه، وأن وادي اليابس القريب هو المكان الذي لجأ إليه زمن الجفاف. وقد بدأ اهتمام البطريركية اللاتينية بالوهادنة منذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما زارها الأب تيوبالد نافوني عام 1889، قبل أن تتأسس الرعية رسمياً سنة 1926، في زمن كانت فيه الطرق وعرة، وكانت الرحلة إليها تتم سيراً على الأقدام أو على ظهور الخيل. ورغم تلك الصعوبات، آمنت البطريركية اللاتينية في القدس بأن رسالة الكنيسة تصل إلى الإنسان حيثما كان، فأرسلت الكهنة وتابعت أبناء البلدة بعناية أبوية، حتى عُيّن الأب يعقوب سعادة عام 1945 أول كاهن رعية مقيم بصورة دائمة، ليبدأ عهد جديد من الاستقرار والنمو.
تعاقب على خدمة الرعية كهنة غيورون، حملوا رسالة الإنجيل بروح الخدمة والتواضع، وأسهم كل منهم في بناء الإنسان قبل الحجر. وقد شهدت تلك المسيرة محطات مفصلية، كان أبرزها بناء دير الكاهن بين عامي 1947 و1948 على يد الأب يعقوب سعادة، ثم بناء المدرسة عام 1961، فالكنيسة الحالية التي شيدها الأب خليل بديوي، وكرسها البطريرك ألبيرتو غوري في الخامس من آب سنة 1964، لتصبح بيتاً للصلاة ورمزاً لحضور الكنيسة في المنطقة.
ولأنّ رسالة الكنيسة لا تنفصل عن رسالة التربية، كانت المدرسة اللاتينية وبعدها الروضة من أهم ثمار هذا الحضور، فخرّجت أجيالاً من أبناء البلدة الذين خدموا الأردن في مختلف الميادين. وفي عام 1992 وصلت راهبات الوردية إلى الوهادنة، فكان حضورهن محطة مشرقة في مسيرة الرعية، إذ حملن رسالة التعليم والتنشئة والرعاية الاجتماعية بمحبة وإخلاص.
ومن أجمل ما يميز رعية مار الياس أنها لم تكن رعيةً تستقبل الخدمة فقط، بل أصبحت رعيةً تُرسل الدعوات. فبرغم صغر عدد أبنائها، لكنها من أكثر رعايا البطريركية اللاتينية سخاءً في الدعوات الكهنوتية والرهبانية. فمنها خرج عدد كبير من الكهنة الذين خدموا الكنيسة في الأردن والأرض المقدسة والعالم، كما خرجت منها راهبات كرّسن حياتهن لخدمة الكنيسة والإنسان.
ولم يكن الاحتفال بالمئوية مجرد استذكار للماضي، بل إعلاناً بأنّ هذه الرعية ما تزال حية تنبض بالإيمان والعطاء. فقد احتفل أبناء الوهادنة، إلى جانب أصدقائهم وضيوفهم القادمين من مختلف أنحاء المملكة، بهذه المناسبة في احتفال مهيب ترأسه المطران إياد الطوال، النائب البطريركي للاتين في الأردن، بتنظيم من كاهن الرعية الحالي الأب سلام حداد. وفي مساء اليوم نفسه، أحيت المرنمة اللبنانية المعروفة كريستيان النجار أمسية ترانيم روحية، برفقة العازف الاردني المبدع حران حجازين.
و في اليوم التالي، ترأس غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الاحتفالي بعيد مار الياس النبي، شفيع الرعية والمنطقة، في موقع مار الياس الأثري الخالد، حيث دُشنت الكنيسة البيزنطية عام 622 للميلاد.
وهكذا، لم تكن مئوية رعية مار الياس في الوهادنة احتفالاً بمرور الزمن، بل كانت احتفالاً باستمرار الرسالة؛ رسالة الكنيسة التي تبني الإنسان بالإيمان والتربية والخدمة، ورسالة الأردن الذي يقدم للعالم نموذجاً فريداً في الوحدة الوطنية. ففي الوهادنة لا يقتصر العيش المشترك على الشعارات، بل يتجسد في الواقع اليومي، حيث تتجاور كنيسة مار الياس مع مسجد لستب التاريخي، في مشهد يختصر تاريخاً طويلاً من الأخوة والاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين. إنها رسالة أردنية أصيلة، تستحق أن تُروى للأجيال، وأن تُقدَّم للعالم بوصفها نموذجاً حقيقياً لوطن يصنع وحدته من تنوعه، ويستمد قوته من إنسانه.
Abouna.org@gmail.com