أكد رئيس التحالف الوطني للأرض في الأردن، والمدير التنفيذي لمؤسسة بذور الدكتور رائد غريب، أن إطلاق مبادرة قياس أوضاع قطاع المراعي والرعي في الأردن ضمن منهجية "Mobility Matters"وبشراكة مع وزارة الزراعة، يشكل نقلة نوعية في إدارة هذا الملف، إذ ينقله من دائرة الحديث العام والملاحظات المتفرقة إلى دائرة القياس المنظم المبني على الأدلة.
وقال غريب في مقابلة مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن أهمية المبادرة تكمن في أنها تتعامل مع الرعي باعتباره نظام حياة وإنتاج وتنقل ومعرفة محلية، وليس مجرد نشاط اقتصادي محدود.
وأوضح، أن المراعي مرتبطة بسبل عيش مربي الثروة الحيوانية، وبالأمن الغذائي، وبإدارة الموارد الطبيعية، وبقدرة المجتمعات الرعوية على التكيف مع الجفاف وتغير المناخ، مشيرًا إلى أن غياب قاعدة معرفة واضحة كان يعيق اتخاذ قرارات دقيقة لسنوات.
وأضاف، أن وجود وزارة الزراعة كشريك أساسي يمنح العملية وزناً مؤسسياً وطنياً، بينما يسهم التحالف الوطني للأرض في ربطها بصوت الرعاة والمجتمعات المحلية والخبراء، وبالمنهجية المعتمدة من التحالف الدولي للأرض، والهدف هو فتح الباب أمام إدارة للمراعي تستند إلى البيانات، وتستمع للمجتمعات، وتربط بين القانون والسياسات والواقع الميداني.
وحول ما يميز منهجية "Mobility Matters" عن الأدوات التقليدية، بين غريب أنها لا تنظر إلى المراعي كمساحات نباتية فقط، ولا إلى الرعاة كأرقام ضمن إحصاءات الثروة الحيوانية، فالأدوات التقليدية ركزت لعقود على الغطاء النباتي وكميات الأمطار وأعداد الماشية، وهي مؤشرات مهمة لكنها لا تفسر الأسباب.
وأشار إلى أن المنهجية الجديدة تضيف البعد الحوكمي والاجتماعي المفقود، فهي تقيس مدى الاعتراف بحقوق الوصول إلى المراعي وممرات الماشية، ومدى إشراك الرعاة في القرارات التي تمسهم، ومستوى التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات الرعوية، وآليات التعاون وحل النزاعات، وطبيعة العلاقة مع الجهات البيئية ومالكي الأراضي والمستخدمين الآخرين. واعتبر أن ذلك يساعد الأردن على بناء صورة أعمق وأكثر عدالة عن واقع الرعي بدل الاكتفاء بقراءة فنية أو بيئية محدودة.
وحول المؤشرات التي سيتم قياسها، قال غريب إن العمل يجري على مجموعة مؤشرات تجمع بين البعد القانوني والبعد الواقعي، لأن فهم وضع الرعاة لا يكتمل بأحدهما وحده، وعلى المستوى القانوني، يتم قياس مدى الاعتراف بحقوق الرعاة في الوصول إلى مناطق الرعي وممرات الماشية، ومدى وجود حماية أو تنظيم واضح لهذه الحقوق، ومدى اشتراط إشراك الرعاة وأخذ موافقتهم الحرة والمسبقة والمستنيرة قبل تنفيذ مشاريع قد تؤثر على مناطقهم. كما تُراجع القواعد المحلية الرسمية المنظمة للوصول إلى المراعي"هل هي موجودة، هل تلبي احتياجات الرعاة، هل يتم الالتزام بها، وهل يمكن تعديلها مع تغير الظروف".
ولفت إلى أن المؤشرات الواقعية، تشمل حالة التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات الرعوية وقدرتها على التعاون والتفاوض وحل النزاعات، وطبيعة العلاقات مع المزارعين والجهات البيئية ومالكي الأراضي والرعاة الآخرين، مبينًا أن هذه المؤشرات تقيس علاقة الناس بالأرض والموارد والسياسات، وليس حالة النبات فقط.
وفيما يتعلق بجمع البيانات ميدانياً، أوضح غريب أن العملية صممت لتجمع بين المنهجية الدولية والخصوصية المحلية الأردنية، حيث إنه يجري استخدام نماذج موحدة وأسئلة منظمة مرتبطة بمؤشرات "Mobility Matters" لضمان قابلية البيانات للتحليل والمقارنة بين المناطق والسنوات، لكن الجمع لا يعتمد على استبيانات جافة فقط، بل يشمل مقابلات مع مخبرين رئيسيين وخبراء محليين، ونقاشات مع ممثلين عن المجتمعات الرعوية، ومراجعة للإطار القانوني والمؤسسي، وتوثيق الملاحظات الميدانية التي تفسر الأرقام. فالراعي يقدم تجربة متراكمة مع الأرض والمطر والحركة وكلفة الإنتاج، وهذه المعرفة ضرورية لفهم الأرقام.
وشدد على أن الهدف هو أن يكون الرعاة شركاء في إنتاج المعرفة وليسوا موضوعاً للدراسة فقط، كما أن توحيد الأدوات يقلل التباين ويحسن جودة البيانات، ويسهل لاحقاً تحويل العملية إلى نظام رصد دوري.
وحول القرارات التي قد تتغير بعد توفر قاعدة البيانات الوطنية، قال غريب إنه "من المبكر تحديد قرارات قبل اكتمال التحليل والتحقق، لكن البيانات يمكن أن تفتح الباب أمام مراجعة ملفات جوهرية، أولها تنظيم الوصول إلى مناطق الرعي وممرات الماشية، فإذا أظهرت البيانات فجوات في الاعتراف أو التطبيق أو في وضوح القواعد، فقد يصبح من الضروري حماية هذه المسارات ضمن خطط إدارة الأراضي. أما الملف الثاني فهو تنظيم مواسم الرعي والضغط على المراعي، بحيث لا تبنى القرارات على تقديرات عامة بل على بيانات عن حالة الموارد وحركة الرعاة واحتياجات مربي الثروة الحيوانية".
وأضاف، أن البيانات يمكن أن تساعد أيضاً في توجيه برامج الدعم والإرشاد والخدمات البيطرية والمائية بدقة أكبر. فالسياسات تصبح أكثر عدالة عندما نعرف أين توجد الفجوات ومن الفئات الأكثر تأثراً وأي المناطق تحتاج تدخلاً عاجلاً.
وأكد، أن الغاية ليست إنتاج تقرير، بل تحويل المؤشرات إلى أداة تساعد وزارة الزراعة والشركاء على مراجعة السياسات بارتباط أكبر بالواقع.
وحول موعد إتاحة النتائج الأولية، أوضح أن مرحلة جمع البيانات أنجزت، ويجري حالياً تحليلها ومراجعتها للتأكد من اتساقها وجودتها. وهذه المرحلة حاسمة حتى لا تتحول الأرقام إلى استنتاجات متسرعة.
وتوقع، أن تُعلن النتائج الأولية بعد استكمال التحليل ومناقشتها مع الشركاء، خصوصاً وزارة الزراعة والتحالف الدولي للأرض والمجتمعات والخبراء.
وشدد على أهمية أن تمر النتائج بمرحلة تحقق مع أصحاب العلاقة قبل نشرها، لأن الهدف هو إنتاج معرفة موثوقة يمكن البناء عليها في تقرير وطني وجلسات حوارية وموجزات سياسات.
وفيما يتعلق بترجمة النتائج إلى إجراءات تخفف مباشرة من تحديات تدهور المراعي وشح المياه وارتفاع كلف الأعلاف، قال غريب إن الرعاة يحتاجون إلى أثر ملموس وليس إلى مؤشرات نظرية، فإذا أظهرت البيانات أن مشكلة منطقة هي شح المياه، يمكن توجيه تدخلات لحصاد المياه وتحسين نقاط السقاية، وإذا كان الضغط على المراعي ناتجاً عن غياب تنظيم واضح، فقد يساعد ذلك على تطوير آليات أكثر عدالة لمواسم الرعي. وإذا كانت كلفة الأعلاف هي العبء الأكبر، يمكن تصميم برامج دعم أو بدائل علفية أو زراعات رعوية واقعية.
وأكد، أن المؤشرات تعمل كبوصلة لتوجيه الموارد والبرامج إلى المكان الصحيح، وتمنع أن تكون التدخلات عامة وغير مرتبطة بالحاجة الفعلية. والأهم أن تكون مدخلاً لحوار جاد مع وزارة الزراعة والشركاء حول تحسين الخدمات ودعم إدارة المراعي وتعزيز الإرشاد وحماية سبل العيش.
وحول إمكانية أن تقود العملية إلى إعادة النظر في خريطة المراعي الوطنية أو مواسم الرعي أو الحمولة الرعوية، قال إن البيانات قد تفتح نقاشاً وطنياً جدياً حول هذه الملفات، لكن بشرط أن يُبنى على نتائج التحليل لا على استنتاجات مسبقة، فإذا أظهرت النتائج أن مناطق معينة تتعرض لضغط أكبر من قدرتها على التجدد، أو أن ممرات الحركة تداخلت مع استخدامات أخرى، فمن الطبيعي مراجعة أدوات التخطيط. لكن أي مراجعة يجب أن تكون تشاركية، وتدمج المعرفة المحلية للرعاة وخبرة المربين والبيانات البيئية والاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، لأن التنظيم الناجح لا يقوم على المنع وحده بل على فهم الحركة والاحتياجات.
وبشأن استدامة عملية القياس، أكد غريب أن القيمة الحقيقية لا تظهر من قياس لمرة واحدة بل من المتابعة والمقارنة عبر السنوات، مشيراً إلى أن هدف التحالف هو تحويل المبادرة من نشاط مرتبط بالسنة الدولية للمراعي والرعاة إلى نظام رصد دوري، حيث تقوم الخطة على تثبيت أدوات القياس، وبناء شراكات مؤسسية مع وزارة الزراعة، وتدريب فرق محلية على الجمع المنتظم، وإشراك المجتمعات الرعوية في المتابعة والتفسير.
وختم غريب، بأن الاستدامة تعني أن تصبح النتائج جزءاً من الحوار الوطني حول إدارة المراعي والتكيف المناخي، وأن تُستخدم فعلياً في مراجعة السياسات والبرامج، فالانتقال المطلوب هو من إطلاق المؤشرات إلى استخدام المؤشرات في تحسين القرار.
وأكد على 3 رسائل ثابتة هي: أن التحالف الوطني للأرض في الأردن شريك وطني مستقل، وأن المؤشرات أداة لتحويل المعرفة الميدانية إلى دليل، وأن الهدف النهائي هو تحسين حوكمة المراعي وحماية سبل عيش الرعاة ومربي الثروة الحيوانية.