تكشف صور الأقمار الاصطناعية عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي مشروعًا هندسيًا واسعًا داخل قطاع غزة، يتمثل في إقامة جدار ترابي ضخم يثير مخاوف فلسطينية من تحوله إلى حدود ثابتة تؤسس لتقسيم جغرافي دائم للقطاع.
ويأتي هذا التطور بعد أكثر من ثمانية أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في تشرين الأول 2025، والذي نص على انسحاب إسرائيلي تدريجي، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى استمرار تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في مساحات واسعة من القطاع.
ووفقًا لتحليل أجرته وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية بالتعاون مع شركة «بلانيت لابز»، فقد جرى إنشاء أكثر من 23 كيلومترًا من السواتر الترابية خلال الأشهر الماضية، تمتد عبر مناطق سكنية فلسطينية تعرضت لدمار واسع، وتشكل فاصلًا بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون.
وتظهر صور الأقمار الاصطناعية تسارع أعمال بناء هذه السواتر، خصوصًا في جنوب القطاع، حيث امتد أحد أجزاء الجدار لمسافة تزيد على كيلومترين خلال فترة قصيرة في شهر تموز الحالي.
وبدأ هذا الجزء بطول يقارب 500 متر مطلع الشهر، قبل أن يصل إلى نحو 2.4 كيلومتر في منتصفه، ليعزل مناطق في مدينة رفح عن منطقة المواصي الساحلية التي تضم تجمعات كبيرة للنازحين.
وفي حال استمرار أعمال البناء بالوتيرة الحالية، فإن هذا الجزء قد يرتبط بامتداد أطول من السواتر يبلغ نحو 17 كيلومترًا، يمتد من خان يونس جنوبًا باتجاه مشارف مدينة غزة شمالًا، ما يعزز المخاوف من تكريس تقسيم فعلي داخل القطاع.
وأكد الجيش الإسرائيلي، بعد اطلاعه على صور الأقمار الاصطناعية، إنشاء حاجز مادي في منطقة تعرف باسم «الخط الأصفر»، وهو الخط الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال إن هذا الإجراء يأتي ضمن إنشاء منطقة أمنية مزودة بوسائل مراقبة وتقنيات استخباراتية بهدف منع التسلل وحماية القوات والمناطق الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، لكنه لم يقدم تفاصيل حول المسار الكامل للجدار أو مدى توسعه مستقبلًا.
ولم تصدر القيادة المركزية الأمريكية أو الجهة المشرفة على ملف غزة، أي تعليق رسمي بشأن أعمال بناء الجدار.
وكان «الخط الأصفر» قد حُدد في اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره إجراءً مؤقتًا إلى حين استكمال الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، إلا أن تعثر تنفيذ مراحل الاتفاق أدى إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وتعزيز السيطرة على مناطق واسعة، ما أثار مخاوف فلسطينية من تحول هذا الخط إلى حدود سياسية وعسكرية جديدة. وتشير تحليلات ميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية وسعت نطاق سيطرتها داخل غزة، فيما أظهرت الصور استخدام الجرافات والمتفجرات لتسوية مبانٍ ومناطق سكنية، إلى جانب شق طرق جديدة وإنشاء مواقع عسكرية في مناطق كانت مأهولة بالسكان، بما فيها مدينة رفح.
وتتزامن هذه الإجراءات مع تصريحات إسرائيلية حول السيطرة على مساحات واسعة من القطاع، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون الذين تجمعوا غرب الخط الأصفر أوضاعًا إنسانية صعبة، وسط انتشار الخيام والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
ولا يقتصر التحرك الإسرائيلي على بناء الجدار الترابي، بل يترافق مع إنشاء وتوسيع مواقع عسكرية داخل القطاع، إذ تشير تقارير إلى إقامة عشرات المواقع العسكرية وتعزيز منشآت قائمة، إلى جانب إنشاء طرق وخنادق دفاعية تربط بين هذه المواقع.
ويرى محللون أن هذا الانتشار العسكري يشكل محاولة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي في غزة عبر شبكة من القواعد والسواتر والطرق، بما يؤثر على حركة السكان وإمكانية الوصول إلى المناطق التي كانوا يعيشون فيها.
ويؤكد فلسطينيون ومنظمات إغاثية أن استمرار هذه الإجراءات يهدد فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستقبلية، ويعقد جهود إعادة إعمار القطاع، في ظل مخاوف من أن يتحول الواقع الميداني الجديد إلى أمر دائم يعيد رسم خريطة غزة ويؤثر على أي حلول سياسية مقبلة.