كتاب

الشعر ذاكرة الوجود الإنساني

من هم أولئك الضاربون قاماتهم في الرمل والشمس، وفي هوادج الإبل. من هم أولئك الراحلون في دائرة الأرض من واحة إلى أخرى، ومن أرض تموت إلى أرض تنبعث فيها الحياة. ربما قال التاريخ عنهم شيئا، لكن حضورهم الحي ماثل في الشعر والحكايات، ففيها ظلت أرواحهم التواقة إلى الحب من أجل الانتصار المجازي على الموت. ظلت أبصارهم رانية إلى الآفاق البعيدة، وسيوفهم مشرعة في وجوه العاديات التي لا يعلم أحد من أين تطل.
الشعر هو الذي جسد حياتهم، وحفظ حكايات العشق التي أحرقت قلوبهم، وأشعلت النار في أرواحهم. كتبوا قصصهم بالدم والكلمات في سبيل الحفاظ على وجودهم. حكوا لنا عن صراعهم المر مع رمل الصحراء وغيلانها، مع جنها وإنسها. فهل نجد في كتب التاريخ صور هذه الحياة المثقلة بأحاسيس البشر بكل اشتعالاتها وانطفاءتها؟
أحدثنا التاريخ عن كفاح عنترة في سبيل المجد والحب والحرية؟ أنقل إلينا أفعال امرئ القيس الشائنة عند الغدير، أو مغامرات عمر بن أبي ربيعة في صحن الكعبة. أو حدثنا عن الصعاليك الذين كانوا يسابقون رياح الصحراء. لم يفعل التاريخ ذلك، وفعله الشعر والقصص الذي ما زال طازجا حيا قادرا على أن ينقلنا إلى عوالمه وأقاليمه القصية، والذي يستطع أن يوقظ فينا الشوق الكامن، أو الرغبة المرمدة بما يملكه من فعل شبيه بالكيمياء.
أحدثنا التاريخ عن صحبة الشنفرى لكواسر الصحراء وذئابها وثعالبها وضباعها التي كانت أرق من سلطة البشر الذين يصدعنا التاريخ بالحديث عنهم. لم يفعل. لكن لامية الشنفرى ما زالت تحدثنا عن عنفوان الروح الإنساني المتمرد على سلط القمع والإذلال. ما زالت كلمات الشنفرى أيقونات معبرة عن الروح الإنساني العظيم، وعن عنفوانه الذي يقوده إلى 'وأستف ترب الأرض' كيلا يتطاول علي أحد. هذا رفض مطلق للاستعباد والإذعان لسلطة الآخر.
حدثنا التاريخ ويحدثنا عن السلطة والسلاطين، عن المنتصرين والمهزومين عن الإمبراطوريات التي سادت ثم بادت، ثم عادت.
لكن الشعر يحدثنا عن غربة مالك بن الريب وأشواقه القاتلة قبل الموت في الغربة، وعن جوع أبي الشمقمق وأطفاله وعريهم، وعن خيالات ابن الرومي السوداء ونهمه، وعن مجون أبي نواس وأديرته وغلمانه، وعن طموح المتنبي وجنون عظمته وقلقه وبطولاته اللغوية.
حدثنا الشعر ويحدثنا عما يسكت التاريخ عنه أو يقصيه. وهو بهذا يحفظ لنا ذاكرة الوجود الإنساني الحق.
اليوم وفي عاصفة الاستهلاك الهوجاء استهلاك الأشياء لمرة واحدة يحتاج الناس إلى الفن الحقيقي القادر على حفظ كونهم في ذاكرتهم. يحتاج الناس إلى ما يبقى راسخا في قرار الروح، وفي أعماق الذاكرة. يحتاجون لذلك حتى لا تظل حياتنا نمطا استهلاكيا يسير في اتجاه الاستعمال اليتيم للأشياء والأحداث والصور المرآتية التي تخطفه، وتقذفه إلى هوة الضياع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يشاكل الفن النمط الاستهلاكي، وأن يتخلى عن وظيفته بوصفه ' مستودع الروح' الإنساني. ولعل كثيرا من الشعر المكتوب الآن قد وصل إلى حالة عدم القدرة على حفظ نفسه. وبالتالي غدا لا يعني ولا يعني للناس شيئا، بل ويثير السخرية السوداء.
هل يكمن العزاء في فن آخر يأخذ وظيفة الشعر؟ إن مقولة ماركيز ' الرواية تقول ما يحجبه التاريخ' تمثل مدخلا لما يمكن أن يقوم به الفن من دور وظيفي يملك قوة الحضور، ويتجاوز حدود الأمكنة والأزمنة ليحل في الذاكرة الإنسانية التي لا تعرف حدا. إنها كون في الكون، وحضور في الغياب، وتذكر في النسيان، ومعنى في غياب المعنى.
أليس غريبا حفظ الجمهور العربي مطلع معلقة امرئ القيس 'قفا نبك' أكثر مما يحفظ أو يعرف ما يعايشه في يومه الراهن، وأنه لم يستطع أن يحل عبارة أخرى محلها؟ هل ثقافة العيش في المضي هي المسؤولة عن هذا؟ ربما.
اليوم لا يستوقفنا سوى ما يثري حياتنا وذاكرتنا يستوقفنا بدر شاكر السياب وهو يحدق في غربته على الخليج، وفي قريته جيكور وفي نهر بويب ونبحث في الجغرافيا الرسمية عن جيكور وبويب فلا نجدهما، لكن الشعر جعله منهما أسطورة مكانية، وغدت روحا سرى في جهات الكون وفي اللغات كلها.
يستوقفنا صوت أبي القاسم الشابي يحدثنا عن تونس وروح الشعب، يستوقفنا مصطفى وهبي التل عرار وهو يحدث عما لا يتحدث عنه: عن الغجر، والخمر، والمرابين، وبائعي الأرض والضمير، وفساد الذمم. ونبحث في كتب التاريخ فلا نقع على شيء من هذا.
اليوم نقرأ فلسطين شعرا لنحتفظ بالأرض والناس والذكريات، لننجد العروبة باللغة الباقية، ونتمسك بامتلاك الفردوس المفقود. فما تحفظه الذاكرة لا يضيع. يغيب الكبار ولا ينسى الصغار.