كتاب

هل أصبحت السمعة القانونية أحد مؤشرات التنافسية الاقتصادية؟

حين يُذكر الأردن في الأوساط القانونية العربية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ليس حجم اقتصاده ولا موارده الطبيعية، وإنما دولة استطاعت، رغم تحدياتها، أن ترسخ منظومة قانونية وقضائية حظيت باحترام واسع داخل المنطقة وخارجها. ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ، بل من تراكم مؤسسي امتد لعقود، حافظت خلاله الدولة على استقلال مؤسساتها القضائية، وطورت تشريعاتها، وأوجدت بيئة قانونية اتسمت بدرجة عالية من الاستقرار مقارنة بما شهدته المنطقة من اضطرابات وتحولات. وهذه السمعة القانونية ليست مجرد مصدر فخر وطني، بل أصبحت اليوم أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي يمتلكها الأردن في ظل المنافسة الإقليمية والدولية على استقطاب الاستثمار.
لقد تغيرت معايير التنافس بين الدول بصورة جوهرية. ففي الماضي كانت المنافسة تدور حول انخفاض الضرائب، وتوافر الأراضي، وكلفة العمالة، وحجم الأسواق. أما اليوم، فقد أصبحت تلك العناصر جزءاً فقط من معادلة أكثر تعقيداً، لأن المستثمر لم يعد ينظر إلى المشروع بمعزل عن البيئة القانونية التي سيعمل فيها. فقبل أن يضخ أمواله، يسأل عن استقرار التشريعات، وعن احترام العقود، وعن كفاءة القضاء، وعن آليات تسوية المنازعات، وعن مدى قدرة الدولة على الالتزام بتعهداتها. فالعائد المتوقع من الاستثمار لم يعد مرتبطاً فقط بالأرباح، وإنما أيضاً بمستوى المخاطر القانونية التي قد تواجه المشروع طوال عمره.
ولهذا لم تعد السمعة القانونية للدولة مفهوماً نظرياً يقتصر على رجال القانون، وإنما أصبحت عنصراً اقتصادياً مؤثراً في قرارات المستثمرين والمؤسسات المالية وشركات التأمين وصناديق الاستثمار. فالاستثمار بطبيعته يكره المجهول، وأكثر ما يثير قلق المستثمر ليس وجود النزاع، وإنما غياب القدرة على التنبؤ بكيفية التعامل معه. فالنزاعات أمر طبيعي في جميع الاقتصادات، لكن الفارق الحقيقي يكمن في وجود منظومة قانونية تمنح جميع الأطراف الثقة بأن حقوقهم ستُحسم وفق قواعد واضحة ومستقرة وعادلة.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل بعض الدول تستقطب استثمارات ضخمة رغم ارتفاع تكاليف التشغيل فيها، بينما تعجز دول أخرى عن تحقيق النتائج ذاتها رغم ما تقدمه من حوافز وإعفاءات. فالحوافز قد تشجع المستثمر على الدخول إلى السوق، لكنها لا تكفي لإقناعه بالبقاء والتوسع. أما الذي يخلق الاستثمار المستدام فهو الثقة، والثقة لا تُصنع بالإعلانات ولا بالمؤتمرات، وإنما تُبنى من خلال استقرار التشريعات، واحترام الالتزامات التعاقدية، وسرعة الفصل في المنازعات، واتساق القرارات الإدارية، ووضوح العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
ولعل من أهم التحولات التي يشهدها العالم اليوم أن القانون لم يعد مجرد أداة لتنظيم النشاط الاقتصادي، بل أصبح جزءاً من عناصر القوة الاقتصادية للدولة. فالعقد الحكومي لم يعد وثيقة قانونية فحسب، وإنما رسالة تطمئن المستثمر إلى أن الدولة تحترم التزاماتها. والحكم القضائي لم يعد ينهي نزاعاً بين طرفين فقط، بل يعكس مستوى كفاءة المنظومة العدلية بأكملها. وحتى طريقة تعامل الجهات الرسمية مع المطالبات التعاقدية أو المنازعات الاستثمارية أصبحت تُقرأ من قبل الأسواق باعتبارها مؤشراً على مستوى الحوكمة واليقين القانوني داخل الدولة.
ويمتلك الأردن في هذا المجال قاعدة صلبة يمكن البناء عليها. فالخبرة القانونية الأردنية تحظى بتقدير كبير في المنطقة، والقضاة والمحامون الأردنيون حاضرون في العديد من المؤسسات القضائية وهيئات التحكيم العربية والدولية، كما أن التشريعات الأردنية شهدت تطوراً ملحوظاً في العديد من المجالات المرتبطة بالاستثمار والتحكيم والتجارة. والأهم من ذلك أن الأردن نجح في المحافظة على استقرار مؤسساته القانونية حتى في أكثر الفترات الإقليمية تعقيداً، وهو عامل لا يمكن التقليل من أهميته عند تقييم البيئة الاستثمارية.
في نهاية المطاف، لا يبحث المستثمر عن دولة يضمن ألا يختلف معها يوماً، وإنما عن دولة يثق بأنها ستحتكم إلى القانون إذا وقع الخلاف. هنا فقط تُختبر سمعة الدولة القانونية. فالتشريعات يمكن تعديلها، والأنظمة يمكن استبدالها، والحوافز الاقتصادية قد تجذب المستثمر اليوم ثم تجذبه دولة أخرى غداً، أما الثقة فلا تُشترى ولا تُمنح بقرار، بل تُبنى ببطء عبر سنوات من استقرار التشريع، واحترام العقود، واستقلال القضاء، ورشد القرار الإداري. والأردن يمتلك رصيداً قانونياً وقضائياً يشكل أحد أهم عناصر قوته في المنطقة، وهو رصيد لم يُبنَ بالصدفة، بل بتراكم مؤسسي يستحق أن يُصان ويُطوَّر. وإذا كانت الدول في الماضي تتنافس على الموانئ والموارد والأسواق، فإنها اليوم تتنافس على ثقة المستثمر قبل أمواله، وعلى سمعتها القانونية قبل أي ميزة أخرى. ومن هنا، فإن المحافظة على السمعة القانونية للأردن ليست مسؤولية القضاء وحده، ولا المشرّع وحده، ولا الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية دولة بأكملها، لأن الدول قد تستقطب الاستثمار بحوافزها، لكنها لا تحتفظ به إلا حين يثق الجميع بأن القانون فيها ليس مجرد نصوص، بل ثقافة دولة ونهج حكم.
محامٍ وخبير قانوني
yazan.haddadin@haddadinlaw.com