كتاب

بين الشعارات والاعتداءات: لماذا كسب الأردن احترام العالم وخسرت إيران ثقة العرب؟

على مدى عقود، حاولت إيران تقديم نفسها بوصفها قوة إقليمية تدافع عن قضايا الأمة، وترفع شعارات الأخوة الإسلامية، ونصرة فلسطين، ومواجهة الهيمنة الخارجية. واستطاعت عبر هذه الخطابات أن تستقطب فئات رأت فيها صوتًا مساندًا للقضايا العربية.
لكن السياسة لا تُقاس بالشعارات، ولا بعدد الخطب والبيانات، وإنما تُقاس بالنتائج التي تتركها على أمن الدول، وحياة الشعوب، واستقرار المنطقة. وهنا يظهر الفارق الكبير بين ما ترفعه إيران من شعارات، وبين ما تمارسه سياساتها على أرض الواقع.
فالدولة التي تتحدث عن الأخوة، لا يجوز أن تعتدي على أراضي أشقائها. والدولة التي تدعو إلى الوحدة، لا يمكن أن تدعم الانقسام داخل المجتمعات العربية. والدولة التي تزعم الدفاع عن سيادة الشعوب، لا يحق لها التدخل في قرارات الدول، أو تهديد أمنها، أو فرض نفوذها عليها بصورة مباشرة، أو من خلال جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة.
لقد دفعت دول عربية خلال السنوات الماضية ثمنًا باهظًا نتيجة التدخلات الإيرانية، وتوسيع دائرة النفوذ المسلح، وتحويل عدد من الساحات العربية إلى ميادين للصراع وتصفية الحسابات الإقليمية، فاستُنزفت مقدرات الشعوب، وتضررت الاقتصادات، وتراجعت فرص التنمية، وتعمقت الانقسامات الداخلية.
وما يجب قوله بوضوح: إن أي اعتداء إيراني على دولة عربية هو اعتداء على سيادتها واستقلالها وكرامة شعبها، وهو أمر لا يمكن تبريره تحت أي عنوان سياسي أو ديني أو أمني. فسيادة الدول ليست وجهة نظر، وحدودها ليست ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية.
وقد أكد الأردن رسميًا وقوفه المطلق إلى جانب الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات إيرانية على أراضيها ومواطنيها وسيادتها، كما شدد على ضرورة احترام القانون الدولي وسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي مبادئ ثابتة في السياسة الأردنية، وليست مواقف مرتبطة بظرف عابر.
لقد فتحت الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، أبواب الحوار مرارًا، وأكدت أنها لا تسعى إلى العداء مع إيران، بل إلى علاقات طبيعية تقوم على حسن الجوار والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. إلا أن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً لاستمرار التهديدات، ولا وسيلة لكسب الوقت بينما تتواصل الاعتداءات والممارسات التي تمس أمن الدول العربية.
وقد كرر مجلس التعاون الخليجي مطالباته لإيران باحترام سيادة الدول، والامتناع عن التدخل في شؤونها، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، مؤكدًا أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وأن أي مساس بسيادة دولة عربية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي بأكمله.
وعلى إيران أن تدرك أن زمن التعامل مع الدول العربية باعتبارها ساحات نفوذ قد انتهى، وأن أمن العواصم العربية ليس ورقة تفاوض، وأن الشعوب العربية لن تقبل بأن تدفع ثمن مشاريع التوسع والصراعات التي لا تخدم سوى الخراب وعدم الاستقرار.
إن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من التصريحات الإيرانية، ولا شعارات جديدة عن الأخوة والمقاومة، بل خطوات عملية تبدأ بالوقف الفوري لجميع الاعتداءات على الدول العربية، واحترام حدودها وسيادتها، ووقف التدخل في شؤونها الداخلية، والكف عن دعم أي جماعات تعمل خارج سلطة الدولة، وتسليم ملفات الخلاف إلى الحوار والدبلوماسية والقانون الدولي.
وفي مقابل هذا النهج، رسخ الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين نموذجًا سياسيًا مختلفًا يقوم على الحكمة والاتزان والثبات على المبادئ. فلم يدخل الأردن في مغامرات إقليمية، ولم يجعل من أراضي الآخرين ساحة لنفوذه، ولم يتدخل في قرارات الدول، بل اختار أن يكون صوتًا للعقل والدبلوماسية والدفاع عن سيادة الدول وأمن الشعوب.
وقد أكد جلالة الملك بوضوح أن الأردن والدول العربية تريد علاقات طيبة مع إيران تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن التدخلات الإيرانية تطال دولًا عربية، وأن المطلوب هو تغير حقيقي في السلوك الإيراني يظهر على أرض الواقع لا في الخطابات فقط.
ولم يكتفِ الأردن بالدعوة إلى التهدئة، بل تحرك دبلوماسيًا في المحافل العربية والدولية دفاعًا عن أمن المنطقة، وحرصًا على منع توسع الصراعات، مؤكدًا أن الاستقرار لا يتحقق بفرض النفوذ، ولا بالصواريخ، ولا بالميليشيات، وإنما بالعدالة والتعاون واحترام القانون الدولي.
كما بقي الأردن ثابتًا في دفاعه عن القضية الفلسطينية، ورفضه التهجير وتصفية القضية، وتمسكه بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وهو موقف لم يستخدمه الأردن شعارًا لتغطية تدخلات أو مشاريع توسعية، بل حافظ عليه التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا مستمرًا.
وهنا يكمن الفارق بين دولة تبني مكانتها بالثقة، ودولة تحاول فرض حضورها بالقوة. فالأردن لم يحتج إلى رفع الشعارات الصاخبة كي يكسب احترام العالم، بل كسبه من خلال صدق مواقفه، والتزامه بتعهداته، واحترامه للدول، وقدرته على أن يكون شريكًا موثوقًا في معالجة الأزمات.
أما السياسات الإيرانية فقد أضعفت الثقة التي حاولت طهران بناءها لسنوات، لأن الشعوب لا تنظر إلى الكلمات وحدها، بل إلى ما تراه من تدخلات واعتداءات وتهديدات وانقسامات، دفعت الدول العربية كلفتها من أمنها واقتصادها واستقرارها.
إن الوقوف مع الدول العربية ليس اصطفافًا ضد الشعب الإيراني، ولا دعوة إلى الحرب، بل هو دفاع مشروع عن حق الدول في حماية حدودها وقرارها الوطني وكرامة مواطنيها. كما أن مطالبة إيران بوقف اعتداءاتها ليست موقفًا عدائياً، بل التزام بمبادئ القانون الدولي وبالحد الأدنى من قواعد حسن الجوار.
واليوم بات المطلوب موقفًا عربيًا موحدًا لا يقبل المساس بسيادة أي دولة عربية، ولا يفرق بين أمن دولة وأخرى، لأن الاعتداء على قطر أو الإمارات أو البحرين أو السعودية أو الكويت أو الأردن أو أي دولة عربية هو اعتداء على الأمن العربي بأكمله.
على إيران أن تتوقف فورًا عن جميع الاعتداءات والتدخلات، وأن تدرك أن بناء العلاقات مع العرب لا يكون بالصواريخ، ولا بالتهديد، ولا بفرض الأمر الواقع، وإنما بالاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والالتزام الصادق بأمن المنطقة.
لقد أثبتت التجربة أن الشعارات قد تخدع البعض لبعض الوقت، لكن صدق المواقف هو الذي يبقى، وأن الدول التي تحترم جيرانها، وتلتزم بالقانون، وتحافظ على مصداقيتها، هي وحدها التي تكسب ثقة العالم.
وهذا ما فعله الأردن بقيادته الهاشمية، فاختار الحكمة دون ضعف، والاعتدال دون تنازل، والدفاع عن سيادته وسيادة أشقائه دون مغامرة. ولذلك كسب احترام العالم، وبقي صوته مسموعًا وموقفه موثوقًا في زمن سقطت فيه الكثير من الشعارات أمام حقائق الواقع.