كتاب

خارطة طريق نحو مركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار

لم تعد قوة الدول في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية أو حجم اقتصادها التقليدي، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة. فالثروة الجديدة لم تعد محصورة في الموارد الطبيعية، وإنما أصبحت تُبنى في مراكز البيانات، وشركات البرمجيات، ومنظومات الذكاء الاصطناعي، وتطبيقات الأمن السيبراني، والمنصات الرقمية التي أصبحت محركات رئيسية للنمو والتنافسية بين الدول.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الاقتصاد الرقمي قطاعاً تقنياً محدوداً، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية، وعنصراً أساسياً في قدرة الدول على جذب الاستثمار، وخلق فرص العمل النوعية، وتحقيق التنمية المستدامة. فالدول التي تنجح في بناء منظومة رقمية متقدمة ستكون الأكثر قدرة على التأثير والمنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.
ويمتلك الأردن فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاجها وتصديرها. فقد وضعت رؤية التحديث الاقتصادي (2023–2033) التحول الرقمي ضمن أولوياتها الوطنية، مستندة إلى مجموعة من المزايا التنافسية المهمة، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي بآسيا وأوروبا وأفريقيا، والاستقرار السياسي، والبنية التحتية الرقمية التي شهدت تطوراً ملحوظاً، إضافة إلى رأس المال البشري المؤهل الذي يمثل الثروة الحقيقية في الاقتصاد المعرفي.
ويشكل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قاعدة أساسية يمكن البناء عليها، إذ يضم آلاف الكفاءات الأردنية العاملة في مختلف مجالات التكنولوجيا، فيما ترفد الجامعات سنوياً سوق العمل بخريجين في تخصصات الهندسة، وعلوم الحاسوب، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفر الكفاءات، بل في قدرتنا على تحويل هذه الطاقات إلى شركات ومنتجات وخدمات رقمية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
وتتعدد الفرص الاستثمارية في الاقتصاد الرقمي الأردني، بدءاً من تطوير البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، مروراً بالاستفادة من شبكات الجيل الخامس، وصولاً إلى مجالات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني. كما يمثل تطوير مركز العقبة الرقمي فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة الأردن كمحطة إقليمية لنقل وتخزين البيانات وربط الأسواق بين القارات.
ولا تقتصر الفرص على السوق المحلية، بل يمكن للأردن أن يتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الخدمات الرقمية والهندسية، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة لإعادة بناء البنية التحتية الرقمية في دول الجوار. فخبرة الكفاءات الأردنية، إلى جانب الموقع الجغرافي والاستقرار، تمنح المملكة قدرة تنافسية تؤهلها للمشاركة في مشاريع التحول الرقمي وإعادة الإعمار في المنطقة.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الفرصة يتطلب مواجهة مجموعة من التحديات الهيكلية. فما تزال الفجوة الرقمية بين بعض المناطق قائمة، كما أن كلفة خدمات الإنترنت والطاقة تمثل تحدياً أمام التوسع في الصناعات الرقمية، إضافة إلى الحاجة لتطوير التشريعات بما يواكب التطورات العالمية في مجالات حماية البيانات الشخصية، والذكاء الاصطناعي، والأصول الرقمية، والحوسبة السحابية.
كما يمثل ضعف التمويل الموجه للشركات الناشئة تحدياً مهماً أمام نمو الاقتصاد الرقمي، إذ تحتاج هذه الشركات إلى منظومة متكاملة تشمل رأس المال الجريء، وحاضنات الأعمال، ومسرعات الابتكار، وربطها بالأسواق الإقليمية والعالمية، حتى لا تتحول الأفكار الريادية الأردنية إلى فرص تستفيد منها بيئات استثمارية خارج المملكة.
ولذلك، فإن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مرحلة المبادرات الرقمية المتفرقة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للاقتصاد الرقمي، تقوم على أولويات واضحة قابلة للتنفيذ، وفي مقدمتها:
أولاً: تطوير البنية التحتية الرقمية من خلال تسريع نشر شبكات الألياف البصرية، وتوسيع تغطية الإنترنت عالي السرعة، وتعزيز دور الأردن كمركز إقليمي للبيانات والخدمات السحابية.
ثانياً: تحديث البيئة التشريعية الرقمية عبر إصدار قوانين حديثة لحماية البيانات والخصوصية، وتنظيم الأصول الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير التشريعات التي تشجع الابتكار وتحمي المستثمرين.
ثالثاً: بناء منظومة وطنية لتمويل الابتكار من خلال إنشاء صناديق استثمارية داعمة للشركات الناشئة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة.
رابعاً: الاستثمار في الإنسان الرقمي عبر تطوير المناهج التعليمية، وتعزيز مهارات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، وربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي.
خامساً: بناء استراتيجية وطنية لتصدير الخدمات الرقمية تستفيد من الخبرات الأردنية في البرمجيات، والأمن السيبراني، والخدمات الهندسية الرقمية، وتفتح المجال أمام الشركات الأردنية للوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي قلب هذا التحول تأتي أهمية السيادة الرقمية، فلا يمكن بناء اقتصاد رقمي قوي دون حماية البيانات الوطنية، وتأمين البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية. فالأمن السيبراني لم يعد قضية تقنية فقط، بل أصبح أحد عناصر الأمن الاقتصادي وجذب الاستثمار، لأن المستثمرين يبحثون عن بيئات رقمية موثوقة وآمنة.
ويقع على عاتق الفريق الاقتصادي دور محوري في قيادة هذا التحول، من خلال تحويل رؤية التحديث الاقتصادي إلى برامج تنفيذية بمؤشرات أداء واضحة، وتحسين بيئة الأعمال، وتقليل الإجراءات البيروقراطية، واستقطاب الشركات العالمية، وإنشاء مناطق ابتكار متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الناشئة.
كما أن نجاح هذه المرحلة يتطلب الاستثمار في الكفاءات الوطنية القادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التنفيذية، لأن التحول الرقمي لا يحتاج فقط إلى خطط واستراتيجيات مكتوبة، بل يحتاج إلى قيادات تمتلك القدرة على تحويل الرؤية إلى برامج ومشاريع عملية قابلة للقياس، وإدارة التنفيذ بكفاءة، وربط السياسات بالنتائج الفعلية على أرض الواقع.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والتطوير، فبناء الاقتصاد الرقمي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الخبرات والمعرفة والقدرات الاستثمارية.
إن الأردن أمام فرصة استراتيجية لا ينبغي تأجيلها. فالعالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة، والدول التي تستثمر اليوم في التكنولوجيا والمعرفة ستحدد موقعها الاقتصادي لعقود قادمة. ويمتلك الأردن المقومات التي تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للاقتصاد الرقمي، شرط الانتقال من مرحلة الرؤى والخطط إلى مرحلة التنفيذ والإنجاز.
فالاقتصاد الرقمي ليس مجرد قطاع اقتصادي جديد، بل هو مشروع وطني يعيد تشكيل مستقبل الأردن الاقتصادي، ويمنحه فرصة لتحويل التحديات إلى فرص، والكفاءات إلى ثروة، والموقع الجغرافي إلى ميزة تنافسية. فالمستقبل الرقمي للأردن لن تصنعه الخطط وحدها، وإنما تصنعه العقول القادرة على تحويل المعرفة إلى إنجاز، والرؤية إلى واقع، والطموح الوطني إلى اقتصاد منتج وتنافسي.