أحدثت الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية تحولا استراتيجيا أعاد تعريف مفهوم "الدولة الآمنة" في الشرق الأوسط، خاصة وأن تداعياتها امتدت إضافة إلى الأضرار المباشرة لتطال إعادة صياغة معادلات الأمن والسيادة والردع، كما دفعت الدول العربية إلى مراجعة كثير من المسلمات التي حكمت سياساتها الأمنية طوال العقود الماضية، في مؤشر واضح على دخول المنطقة مرحلة جديدة تختلف في طبيعة تهديداتها وأدوات التعامل معها.
هذا التحول فرض قراءة مختلفة للمشهد تشمل بنية الأمن الإقليمي، وطريقة تفكير الدول في حماية مصالحها، ومفهوم القوة ذاته، لا سيما وأن المنطقة دخلت مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة، وأصبح الأمن الوطني منظومة متكاملة إضافة الى الحدود والقوة العسكرية التقليدية.
أولى نتائج هذا التحول ظهرت في مفهوم السيادة، خاصة وأن حماية الدولة التي ارتبطت لعقود طويلة بالحدود البرية، أصبحت اليوم تشمل المجال الجوي، والمنشآت الحيوية، والموانئ، وخطوط الملاحة، وشبكات الاتصالات، والبنية الرقمية، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، وأي اختراق لإحدى هذه الدوائر ينعكس مباشرة على الاقتصاد والاستقرار السياسي وثقة المجتمع بقدرة الدولة على حماية مصالحها، وهو ما يدفع العديد من الدول العربية إلى ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية والاستثمارية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة.
وفي الوقت نفسه، تكشف الاعتداءات الإيرانية عن الاستهداف الممنهج للدول العربية في العقيدة العسكرية لطهران، حيث انتقلت بالإضافة إلى الاعتماد على الوكلاء إلى استخدام أدوات القوة بصورة أكثر مباشرة عبر الصواريخ والطائرات المسيرة واستهداف منشآت داخل دول عربية، ويعكس هذا التحول سعياً إلى محاولة فرض معادلة هيمنة جديدة تقوم على توسيع ساحات الاشتباك وربط أمن المنطقة واستقرارها بالصراعات التي تخوضها إيران، الأمر الذي رفع مستوى المخاطر أمام جميع دول الإقليم.
وترافق ذلك مع تغير في القواعد غير المعلنة التي حكمت الصراعات الإقليمية طوال عقود، عبر دخول الممرات البحرية، والمنشآت الاقتصادية، وقطاع الطاقة، والمرافق المدنية ضمن حسابات الضغط والردع، وأصبحت أهدافاً محتملة في أي تصعيد، ونتيجة لذلك، ارتفعت كلفة الصراع على الاقتصادات العربية، وامتدت تداعياته إلى التجارة والاستثمار، وحركة النقل، وأسواق التأمين، وسلاسل الإمداد، بما يؤكد أن الحروب الحديثة تستهدف الاقتصاد بالقدر نفسه الذي تستهدف فيه القدرات العسكرية، وهذا ما يستدعي من الدول العربية البحث عن حلول واستراتيجيات جماعية تضمن وجود بدائل تساعد على عدم بقاء اقتصاداتها رهينة لهذه الصراعات.
ومن النتائج المهمة أيضاً تراجع فاعلية سياسة الحياد بوصفها وسيلة كافية لتجنب تداعيات الصراعات، حيث فرضت الجغرافيا السياسية معادلاتها على الجميع، وأصبحت الدول التي تقع في قلب الممرات التجارية أو تمتلك بنية تحتية استراتيجية تجد نفسها معنية بتداعيات الأزمات حتى وإن لم تكن طرفاً فيها، الأمر الذي جعل إدارة المخاطر، وحماية المصالح الوطنية، وتعزيز الجاهزية الشاملة، عناصر أساسية في مفهوم الأمن القومي.
اقتصادياً، كشفت الاعتداءات الإيرانية أن الصواريخ تترك آثاراً أخرى خارج ساحات المواجهة، عبر تأثيرها في الأسواق العالمية، ورفع كلفة النقل والشحن، وزيادة حالة عدم اليقين أمام المستثمرين، والضغط على سلاسل الإمداد، وهو ما يتطلب من الدول إلى الاهتمام أكثر بالعمل بشكل فردي وجماعي لتعزيز أمن الموانئ، وتحصين البنية التحتية، وتنويع مسارات التجارة والطاقة، بعدما أصبحت هذه القطاعات جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني والقومي وركيزة من ركائز الاستقرار الاستراتيجي.
سياسياً، كشفت الاعتداءات الإيرانية حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، وأسقطت كثيراً من الشعارات التي رفعتها طهران لسنوات تحت عناوين احترام مبدأ حسن الجوار ودعم قضايا المنطقة ونصرة الشعوب، فالسياسات الإيرانية على الأرض وضعت عمداً مع سبق الإصرار أمن الدول العربية واستقرارها ومصالحها الاقتصادية في دائرة الاستهداف، وهو ما كشف زيف ذلك الخطاب وأظهر الفجوة الواسعة بين ما يعلَن وما يمارَس، ومع اتساع هذه الفجوة عبر عدونها غير المبرر على دول الجوار العربي، تقدمت اعتبارات الأمن الوطني وحماية الدولة على أي شعارات أو مبررات سياسية او أيديولوجية، وأصبحت الوقائع الميدانية المعيار الحقيقي للحكم على السياسات الإيرانية.
في ضوء هذه المتغيرات، تدخل المنطقة مرحلة جديدة أعادت رسم مفهوم القوة ومعايير الأمن، حيث أصبح أمن الدولة يرتبط بقدرتها على حماية بنيتها التحتية، وتأمين فضائها الجوي، وصون اقتصادها، والحفاظ على استقرار مؤسساتها، وضمان استمرار حركة التجارة والطاقة في مختلف الظروف، إلى جانب امتلاك أدوات الردع العسكرية، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية قراءة الاعتداءات الإيرانية من زاوية التحولات الاستراتيجية التي أفرزتها، لأنها أسهمت في إعادة تعريف الدولة الآمنة، وإعادة رسم قواعد الأمن الإقليمي، وصياغة توازنات جديدة ستظل حاضرة في سياسات المنطقة لسنوات طويلة، حتى وإن توقفت العمليات العسكرية، وهو ما يحتم على الدول العربية البحث عن صيغ جادة تسهم في إيجاد قوة ردع جماعية حقيقية قادرة على لجم اعتداءات إيران أو غيرها من القوى ومنعها من العبث بأمن المنطقة.