بعد أكثر من مئة يوم على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط 2026، تبدو واشنطن وطهران عالقتين في منطقة رمادية تفصل بين الحرب والسلام.
فمذكرة التفاهم التي وُقعت في قاعة المرايا بقصر فرساي في 15 حزيران الماضي لم تُنهِ أسباب الصراع، بل أرست هدنة هشة أجّلت الانفجار من دون أن تعالج جذور الأزمة، وهو ما دفع العديد من الأوساط الإسرائيلية والأميركية إلى وصفها بأنها «اتفاق لتأجيل الخلافات» أكثر منها تسوية سياسية.
وتجمع تحليلات نشرتها صحف هآرتس ومعاريف ويديعوت أحرونوت، إلى جانب تقديرات مراكز أبحاث ومصادر أميركية ودولية، على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها «لا حرب ولا سلم»، حيث يستمر الردع المتبادل والتصعيد المحدود، فيما تتراجع فرص التوصل إلى اتفاق دائم.
ويرى الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل، في صحيفة هآرتس، أن الأزمة داخل إيران تجاوزت الخلاف حول العلاقة مع الولايات المتحدة، لتتحول إلى صراع مفتوح على مراكز النفوذ داخل النظام. ويستدل بخطاب رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض محمد باقر قاليباف، الذي دعا إلى «الوحدة» و'طاعة القيادة»، معتبراً أن هذه الرسائل تعكس احتدام الخلاف بين التيار المتشدد الرافض لأي تفاوض، والجهات التي ترى ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي.
ويطرح برئيل تساؤلاً حول موقع مجتبى خامنئي في معادلة القرار، مشيراً إلى أن مختلف التيارات تستحضر اسمه لتبرير مواقفها، في مؤشر على غموض آلية اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني، وهو غموض ينعكس مباشرة على مسار التصعيد الإقليمي.
كما يحذر من احتمال لجوء إيران إلى تصعيد جديد عبر الحوثيين في اليمن، من خلال تهديد الملاحة في باب المندب إذا تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لهجمات أميركية.
وفي معاريف، يرى ألون بن دافيد أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تدفع إيران إلى تغيير سلوكها، بل إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية. ويشير إلى أن مرحلة ما بعد الحرب كشفت غياب مركز واضح لاتخاذ القرار السياسي، في حين بقي القرار العسكري أكثر تماسكاً بقيادة الحرس الثوري، الذي يعتبر السيطرة على مضيق هرمز مكسباً استراتيجياً غير قابل للتفاوض.
ويعتقد بن دافيد أن طهران تعمل بالتوازي على إعادة بناء منظوماتها الصاروخية والدفاعية، ولا يستبعد استئناف الأنشطة المرتبطة بالشق العسكري للبرنامج النووي، مؤكداً في الوقت نفسه عدم وجود أدلة حاسمة على ذلك حتى الآن.
أما الباحث ميخائيل ميلشتاين، في يديعوت أحرونوت، فيرى أن إيران نجحت في نقل مركز الثقل من الملف النووي إلى أمن الملاحة والطاقة في الخليج، بحيث أصبح مضيق هرمز ورقة الضغط الأساسية في مواجهة الولايات المتحدة. ويستشهد بتصريحات محسن رضائي، الذي قال إن «هرمز أهم من عشرات القنابل النووية»، في إشارة إلى أن النفوذ الجيوسياسي بات يمثل أداة الردع الأكثر تأثيراً بالنسبة لطهران.
كما ينقل عن الباحث داني سيترينوفيتش قوله إن القيادة الإيرانية الجديدة تبدو أكثر استعداداً للمخاطرة مقارنة بالقيادة السابقة، الأمر الذي يزيد احتمالات العودة إلى تسريع البرنامج النووي إذا وصلت المسارات السياسية إلى طريق مسدود.
وفي المقابل، يبقى الملف النووي في صلب الحسابات الأميركية، ولا سيما منشأة «جبل الفأس» المحصنة قرب نطنز، التي لم تُستهدف خلال العمليات العسكرية السابقة.
وتشير تقديرات أميركية إلى أن الموقع قد يكون هدفاً لأي تصعيد مستقبلي، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي لوّح فيها بإمكانية استهداف المنشأة، في رسالة تؤكد أن البرنامج النووي الإيراني لا يزال يحتل أولوية في الاستراتيجية الأميركية.
وتجمع معظم التقديرات الإسرائيلية والأميركية على أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار حالة الجمود الحالية، وأن تتحول مذكرة التفاهم إلى إطار لإدارة الأزمة لا إلى مدخل لحلها. ويشير تقرير المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) إلى أن أخطر ما قد تشهده المرحلة المقبلة ليس اندلاع حرب شاملة، بل ترسيخ واقع دائم من «اللاحرب واللاسلم»، حيث تتكرر جولات التصعيد والتهدئة من دون الوصول إلى تسوية نهائية.
كما يتوقع محللون أن يمتد هذا الوضع إلى ما بعد الانتخابات الأميركية النصفية والانتخابات الإسرائيلية، مع استمرار حالة عدم اليقين السياسي والعسكري.
وفي السياق ذاته، يرى محللو مجلة ذي أتلانتيك أن معظم بنود مذكرة التفاهم تعرضت لانتهاكات متكررة، باستثناء استمرار قنوات الاتصال بين الطرفين، ما يعني أن المواجهة لا تزال قائمة عملياً، ولكن ضمن سقف محسوب، عبر ضربات متبادلة ورسائل ردع متواصلة، من دون الانزلاق إلى حرب واسعة.
وتبقى إسرائيل العامل الأكثر قابلية لتغيير المعادلة، إذ تنظر إلى أي اتفاق يمنح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها باعتباره تهديداً استراتيجياً مباشراً. ولذلك تتوقع معظم التحليلات استمرار العمليات الإسرائيلية ضد الأذرع الإيرانية في المنطقة، ولا سيما في لبنان، بهدف منع تثبيت واقع جديد يسمح لطهران باستعادة قدراتها.
وفي المقابل، يبدو أن إيران تتجنب استهداف إسرائيل مباشرة، إدراكاً منها أن أي مواجهة مفتوحة معها قد تستدعي تدخلاً أميركياً واسعاً وتلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني.
وفي قراءة أوسع للتحولات الدولية، يرى الكاتب أفنر بن زاكين، في هآرتس، أن الحرب الأخيرة كشفت تراجع القدرة الأميركية على إدارة النظام الدولي كما فعلت خلال العقود الثلاثة الماضية، معتبراً أن البيئة التي ساعدت بنيامين نتنياهو على ترسيخ مكانته السياسية لم تعد قائمة، بعدما بدأت ملامح النظام الدولي تتجه نحو تعددية أكبر في موازين القوى.
ويستشهد بمواقف المفكر الأميركي روبرت كاغان، الذي اعتبر أن المواجهة مع إيران تعكس انتقال العالم إلى مرحلة تتراجع فيها الهيمنة الأميركية الأحادية، وهو ما يفرض على واشنطن وحلفائها التعامل مع واقع دولي أكثر تعقيداً.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى آلية لإدارة الأزمة منها إلى اتفاق ينهيها. فإيران تسعى إلى استثمار الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز أوراقها الإقليمية، بينما تحاول الولايات المتحدة احتواء الأزمة بأقل كلفة سياسية وعسكرية ممكنة، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، فيما تبقى إسرائيل عاملاً قادراً على إعادة إشعال المواجهة إذا رأت أن ميزان القوى بدأ يميل لصالح طهران.
ويبقى سيناريو «لا حرب ولا سلم» هو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار المنطقة في الدوران داخل حلقة من الردع المتبادل والتصعيد المحدود، فيما يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً في أي لحظة نتيجة خطأ في الحسابات أو تغير مفاجئ في موازين القوى.