تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد، في ظل تبادل التهديدات بين الجانبين، وسط تحذيرات من أن المنطقة تقف أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية، في وقت تبدو فيه جهود الوساطة عاجزة عن إعادة واشنطن وطهران إلى مسار تفاوضي مستقر.
ويرى محللون أن الأزمة الحالية تجاوزت كونها خلافاً سياسياً أو أمنياً عابراً، لتتحول إلى صراع تتداخل فيه اعتبارات الردع العسكري مع الحسابات السياسية والاقتصادية والإقليمية، غير أنهم يختلفون في تقدير فرص انزلاق الأوضاع إلى مواجهة واسعة أو بقائها ضمن حدود التصعيد المحسوب.
وتعتبر الدكتورة تمارا حداد، أن المنطقة دخلت مرحلة «بالغة الخطورة»، مشيرة إلى أن طبيعة المواجهة أخذت منحى جديداً يتمثل في ما تصفه بـ"الردع الشخصي»، بعدما أصبحت القيادات السياسية والعسكرية جزءاً من معادلة التهديد والردع.
وترى أن إيران تتبنى استراتيجية «الانتقام المحسوب» لتجنب حرب شاملة، في مقابل استمرار الولايات المتحدة في رفع سقف الضغوط ضمن سياسة الردع الأقصى.
في المقابل، يرى المحلل السياسي سري سمور، أن مكمن الخطورة لا يتمثل في التهديدات المتبادلة بحد ذاتها، وإنما في غياب الضمانات التي تمنع تحولها إلى مواجهة فعلية، لافتاً إلى أن طبيعة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تجعل قراءة المشهد أكثر تعقيداً، خصوصاً مع مؤشرات تتحدث عن احتمالات تصعيد جديدة بعد انتهاء بطولة كأس العالم.
من جهته، يعتقد الدكتور حسين الديك، أن الصراع تجاوز مرحلة الحلول السياسية، معتبراً أن المفاوضات لم تعد سوى وسيلة لكسب الوقت، وأن الحسم النهائي سيكون رهناً بموازين القوة العسكرية، رغم إمكانية استمرار مرحلة من التصعيد المنضبط لفترة محدودة قبل العودة إلى المواجهة.
بدوره، يقدم المحلل السياسي لبيب طه قراءة مختلفة، إذ يرى أن واشنطن تستخدم التصعيد العسكري أداة ضغط تفاوضية أكثر من كونه هدفاً قائماً بذاته، معتبراً أن الحرب الشاملة لا تزال مستبعدة، وإن بقيت احتمالية قائمة إذا فشلت أدوات الضغط في تحقيق أهدافها السياسية.
من جانبه، يصف الدكتور قصي حامد، الاتفاق الذي أوقف المواجهة الأخيرة بين الطرفين بأنه اتفاق «اضطراري وهش»، مؤكداً أن غياب الأسس السياسية الصلبة يجعله عرضة للانهيار في أي وقت، وأن أي حادث استثنائي قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية.
ويذهب المحلل السياسي نعمان العابد، إلى أن المشهد الحالي يتجه نحو استمرار الضغوط السياسية والعسكرية مع تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة، إلى حين قبول طهران بالمقترحات الأمريكية أو تعرض واشنطن لضغوط دولية وإقليمية تدفعها إلى تخفيف مواقفها.
ويحظى مضيق هرمز باهتمام خاص في تقديرات المحللين باعتباره أحد أبرز عناصر الأزمة الحالية. وترى حداد أن المضيق تحول إلى نقطة خلاف مركزية، في ظل تمسك إيران بورقة الإغلاق كورقة ضغط استراتيجية، مقابل إصرار الولايات المتحدة على ضمان حرية الملاحة.
ويشير لبيب طه، إلى أن طهران شعرت بأن المبادرات الإقليمية، ولا سيما العُمانية، قد تنتزع منها ورقة الضغط المرتبطة بالمضيق، الأمر الذي دفعها إلى تصعيد إجراءاتها تجاه السفن التجارية للحفاظ على هذه الورقة، بينما اعتبرت واشنطن تلك الخطوات خرقاً للتفاهمات القائمة.
ويضيف سمور، أن المخاوف لا تقتصر على مضيق هرمز، بل تمتد إلى احتمال انتقال التصعيد نحو مضيق باب المندب في حال انخراط الحوثيين بصورة أكبر، وهو ما قد يهدد الملاحة الدولية في أكثر من ممر بحري استراتيجي.
ويرى الديك، أن استهداف الممر البحري الآمن، الذي جرى العمل على تأمينه بالتعاون مع سلطنة عُمان والمنظمة البحرية الدولية، يُنظر إليه أمريكياً باعتباره عملاً عدائياً قد يستدعي رداً عسكرياً.
ويرى المحللون أن التصريحات المتعلقة باستهداف القيادات السياسية تعكس تحولاً في طبيعة الصراع، وإن اختلفوا في تفسيرها، فالعابد يعتبر أن تصريحات المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي تؤكد تشدد القيادة الإيرانية الجديدة واستعدادها لمواصلة المواجهة حتى في حال استهداف قياداتها.
ويتفق معه الديك، مشيراً إلى أن المعلومات الاستخبارية والرسائل التي رافقت جنازة المرشد السابق ساهمت في دفع الرئيس الأمريكي إلى إطلاق تهديدات برد عسكري واسع على أي استهداف مباشر له.
في المقابل، يرى سمور، أن تصريحات ترمب ترتبط أيضاً بحساباته السياسية الداخلية، وبمحاولة ترسيخ صورته كرئيس قادر على مواجهة التهديدات، أكثر من ارتباطها بوجود مخطط فعلي لاستهدافه.
ويحظى الدور الإسرائيلي باهتمام واسع في قراءات المحللين، إذ يرى العابد أن إسرائيل تؤدي دوراً محورياً في تغذية التصعيد من خلال المعلومات الاستخبارية والضغوط السياسية التي تمارسها على الإدارة الأمريكية.
ويحذر سمور، من أن أي تدخل إسرائيلي مباشر قد يوسع دائرة المواجهة ويقود إلى سلسلة من الضربات والردود المتبادلة تعيد المنطقة إلى أجواء الحرب، فيما يرى الدكتور قصي حامد أن أي حادث استثنائي قد يدفع الصراع إلى إشراك إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة بصورة مباشرة.
وفي تقييم مستقبل التفاهمات القائمة بين واشنطن وطهران، يتفق المحللون على هشاشتها، مع اختلافهم حول موعد انهيارها.
في المقابل، لا يستبعد عدد من المحللين، وفي مقدمتهم حامد والديك والعابد، احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع إذا وقع خطأ في الحسابات أو حدث تدخل مباشر من أطراف أخرى، وعلى رأسها إسرائيل.
أما العودة إلى المسار الدبلوماسي، فتبدو وفق غالبية الآراء السيناريو الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على استئناف مفاوضات قادرة على معالجة جذور الأزمة.
وتخلص مجمل الآراء إلى أن ما يجري يتجاوز الخلافات المتعلقة بالملف النووي أو بحرية الملاحة، ليعكس صراعاً أوسع بين المشروع الإيراني والنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، في وقت تبقى فيه منطقة الخليج محوراً أساسياً للأمن العالمي والطاقة الدولية.