وتكتسب أتمتة المنظومة العقارية قيمتها الاقتصادية العليا من خلال قدرتها على تسهيل الاستثمار للمغتربين والمشترين، حيث تؤدي هذه الصفقات العابرة للحدود إلى تدفق سيولة مالية جديدة بالعملة الصعبة في الشرايين الاقتصادية للدولة، مما يرفع بشكل مباشر الناتج المحلي الإجمالي ويعزز الاحتياطات النقدية. ورغم أن البيوعات الداخلية لا تجلب رؤوس أموال خارجية جديدة بل تعيد تدوير السيولة المحلية، إلا أن الأتمتة والسرعة التشريعية وتيسير كفاءة لجان إزالة الشيوع وتبسيط إجراءاتها لسرعة إنجاز المعاملات ترفع من معدل دوران النقد داخل السوق وتحول الأصول الراكدة في المعاملات الورقية إلى سيولة سريعة تُحفز القطاعات المصاحبة كالمقاولات والخدمات المالية والرسوم الحكومية، مما يرفد الاقتصاد بطرق غير مباشرة.
ولتحقيق الكفاءة المطلقة، يفرض الطموح الاقتصادي دمج أدوات التكنولوجيا المالية والتحليلات الاكتوارية مستقبلاً عبر أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على قراءة بصمة لكل عقار على حدة لضمان تحديد قيمته العادلة محاسبياً وفقاً لمعايير التقييم الدولية (IVS). كما تبرز الحاجة لتفعيل منظومة البيع الإلكتروني الكامل عبر العقود الذكية دون الحاجة للمثول المادي لأطراف العقد، بالتوازي مع تبني حلول الامتثال التكنولوجي الذكي للتحقق من الهوية الرقمية ومصادر التدفقات المالية، بما يضمن مرونة دخول الاستثمارات الخارجية ويحمي الاقتصاد في الوقت ذاته من وسم الأموال العابرة بمخاطر غسيل الأموال.
وتبقى معضلة ظروف عدم التأكد الناجمة عن غموض أو تأخر الإعلان عن المخططات التنظيمية المستقبلية وموازناتها من أكبر التحديات التي تعوق دقة التنبؤ بالأسعار وتفتح الباب أمام المضاربات العشوائية مما يجعل غياب الإفصاح المسبق مطمعاً إذ يحول التقييم العلمي إلى افتراضات يساورها الشك، وهو ما يمكن تجاوزه من خلال تبني الحكومات لسياسة الشفافية الاستباقية عبر تقنيات التوائم الرقمية ونماذج التنبؤ بالنمو الحضري. برأيي، إن إلزام المخطط الحكومي بجداول زمنية صارمة للتنفيذ وتوسيع مفهوم الإفصاح العقاري المتدرج يُعد الممر الآمن لتخفيض مخاطر السوق إلى حدها الأدنى، وتحويل القطاع العقاري من مجرد مخزن تقليدي للقيمة إلى منصة استثمارية تفاعلية تدار بأدوات القرن الحادي والعشرين التي تتكامل مع رؤية التحديث الاقتصادي.