وهذه بحد ذاتها ممارسة إيجابية تستحق التقدير. فوجود تقرير دوري يضع أمام المواطن وصانع القرار صورة واضحة عن مسار التنفيذ يعزز الشفافية والمساءلة، ويجعل تقييم الأداء قائماً على ما تحقق فعلياً وليس على الوعود أو التوقعات.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر عندما نلاحظ أن القرارات الاقتصادية التي تتخذها الحكومة أصبحت مرتبطة بإطار استراتيجي واضح هو رؤية التحديث الاقتصادي. وهذا يعني أن القرار الاقتصادي لا يفترض أن يكون نتيجة اجتهاد فردي أو استجابة مؤقتة لظرف معين، وإنما يكون جزءاً من مسار أوسع وأهداف محددة يجري العمل عليها ومراجعتها باستمرار.
وهذا التحول مهم جداً في إدارة الاقتصاد. فالاقتصاد يحتاج إلى الاستقرار في السياسات، ووضوح الأولويات، وتراكم الإصلاحات. المستثمر لا ينظر فقط إلى قرار واحد، وإنما ينظر إلى اتجاه السياسة الاقتصادية ككل. وكذلك المواطن يحتاج إلى أن يعرف إلى أين تتجه الدولة وما الذي يمكن أن يتوقعه خلال السنوات المقبلة.
والتقرير يقدم مثالاً واضحاً على هذا النهج. فالبرنامج التنفيذي يضم 394 مشروعاً، منها 343 مشروعاً قيد التنفيذ، و16 مشروعاً منجزاً، و5 مشاريع متأخرة لأسباب فنية وإجرائية، فيما لم يبدأ 30 مشروعاً بعد لأن موعدها لم يحن.
الأهمية هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في وجود نظام متابعة يعترف بما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه. فالشفافية الحقيقية لا تعني الحديث عن النجاحات فقط، وإنما أيضاً تفسير أسباب التعثر وكيفية التعامل معه. لكن المرحلة المقبلة تحمل سؤالاً أكثر أهمية: هل يشعر المواطن بأثر هذا العمل؟
فالنجاح النهائي لرؤية التحديث الاقتصادي لا يجب أن يتوقف عند تنفيذ المشاريع أو إصدار القرارات. المواطن يريد أن يرى تحسناً في فرص العمل والدخل وجودة الخدمات وكلفة المعيشة وسهولة الحصول على الخدمة وقدرة الاقتصاد على خلق فرص جديدة.
والمستثمر يريد أن يلمس بيئة أعمال أكثر سهولة واستقراراً. والشاب يريد أن يجد فرصة عمل تتناسب مع مهاراته. والقطاع الخاص يريد أن يرى أن الإصلاحات تساعده على التوسع والاستثمار والتصدير.
لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل تدريجياً من قياس التنفيذ إلى قياس الأثر. فما تم إنجازه خلال النصف الأول من العام يعطي مؤشرات إيجابية، لكن القيمة الحقيقية لهذه الإنجازات ستظهر عندما تتحول إلى نمو اقتصادي أعلى، وإنتاجية أكبر، واستثمار خاص أكثر، وفرص عمل مستدامة، وخدمات أفضل.
إن ما تقوم به الحكومة من نشر تقارير دورية ومتابعة المشاريع وربط القرارات الاقتصادية برؤية وطنية واضحة يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. والأهم أن يستمر هذا النهج، وأن يصبح تقييم السياسات قائماً على النتائج وليس فقط على حجم النشاط الحكومي.
فالرؤية الناجحة ليست التي تنفذ أكبر عدد من المشاريع، وإنما التي يشعر المواطن في النهاية أن حياته واقتصاده أصبحا أفضل.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لرؤية التحديث الاقتصادي: أن تنتقل من رؤية مكتوبة، إلى مشاريع منفذة، ثم إلى نتائج اقتصادية، وأخيراً إلى أثر ملموس في حياة المواطن.