عربي ودولي

«العلاقة مع تركيا».. مادة انتخابية دسمة لنتنياهو

تشهد العلاقات التركية-الإسرائيلية فصلاً هو الأكثر تعقيداً واستقطاباً منذ عقود، في ظل تحول التنافس الإقليمي التقليدي إلى مواجهة استراتيجية مكشوفة تغذيها حسابات السياسة الداخلية والتحولات المفاجئة في المواقف الدولية؛ إذ اندلعت موجة من القلق والتحركات الدبلوماسية المكثفة داخل المؤسستين السياسية والأمنية الإسرائيلية عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزم إدارته إعادة النظر في تجميد صفقة بيع مقاتلات «إف-35» لأنقرة، خلال لقائه بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

هذا التطور أعاد تعريف موازين القوى في شرق المتوسط مهدداً بإنهاء حقبة «الملف المجمد» ودفع العلاقات نحو نقطة اللاعودة.

وتكشف القراءة التحليلية للمشهد أن هذا التصعيد الإسرائيلي يتأرجح بين «لعبة أعصاب» دبلوماسية و'رعدة انتخابية» داخلية؛ حيث يشير المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجد في تركيا خصماً استراتيجياً مفيداً قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول 2026.

ويسعى نتنياهو عبر زياراته الميدانية للقواعد العسكرية، كالقاعدة البحرية في حيفا، إلى استعادة بريقه كـ'السيد أمن» والتعافي من تداعيات إخفاق السابع من تشرين الأول 2023 الذي يلاحقه اتهاماً بالتقصير فيه، مستغلاً المخاوف الحقيقية من احتمالية منح ترامب الطائرات المتطورة لتركيا.

وفي إطار الضغط على واشنطن، يخوض نتنياهو مواجهة كلامية مباشرة مع ترامب؛ إذ دعا الإدارة الأميركية عبر شبكة «فوكس نيوز» للتراجع عن الصفقة، محذراً من منح هذه المقاتلات لنظام يتبنى أيديولوجية الإخوان المسلمين، ويدعم حركة «حماس»، ويهدد اليونان في المتوسط، فضلاً عن عدم تقديمه المساعدة لواشنطن خلال مواجهتها العسكرية الأخيرة مع إيران.

غير أن هذه الاندفاعة تصطدم بوصف ترامب لأردوغان بأنه «صديقه» وإشادته بالقدرات التركية، وادعائه بأن أردوغان امتنع في اللحظة الأخيرة عن الانضمام لحرب إيران ضد إسرائيل بفضل هذه الصداقة، مما يجعل فرص إسرائيل في إفشال الصفقة عبر الكونغرس ضئيلة وصعبة للغاية، نظراً للحاجة إلى أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي وتخوف نتنياهو من الصدام المباشر مع ترامب.

وتتجاوز المخاوف الإسرائيلية حدود صفقة المقاتلات لتصل إلى تنامي الصناعات الدفاعية التركية واتساع نفوذ أنقرة العسكري؛ حيث يرى الأمنيون في تل أبيب أن حصول تركيا على «إف-35» يهدد التفوق الجوي الإسرائيلي ويحد من قدرة سلاح جوها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى باتجاه إيران.

كما يبرز القلق من احتمال نشر تركيا رادارات متطورة وتوليها تدريب وتسليح الجيش السوري بأسلحة حديثة، ما قد يغير قواعد الاشتباك في الجبهة الشمالية ويقلص حرية الحركة الإسرائيلية، في وقت يدور فيه الحديث عن تحالفات إقليمية جديدة تضم تركيا وقطر ومصر وسوريا ولبنان تضع تل أبيب خارج المعادلة تماماً.

وفي تصعيد لافت يعكس النظرة الإسرائيلية لسوريا كساحة نفوذ حصرية، هدد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين بالرد بالمثل على أي تحرك عسكري تركي في سوريا، مصرحاً بأن «كل قاعدة تركية ستقابل بقاعدة إسرائيلية لمنع ترسيخ وجود أنقرة هناك».

ويثير هذا الخطاب قلقاً بين المحللين الذين يرون أن التصعيد الكلامي يفتقر للواقعية ويتجاهل تعامل حلف الناتو وواشنطن مع تركيا كحليف استراتيجي يمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وصناعات دفاعية متطورة تشمل مسيرات وسفناً حربية، فضلاً عن تحالفات عسكرية ممتدة، مستفيداً من الفراغ الإقليمي وانشغال أميركا في المحيطين الهندي والهادي.

أما على الصعيد الأميركي، فإن دور واشنطن يبدو محورياً في ضبط إيقاع هذه المواجهة ومنع خروجها عن السيطرة، مستندة إلى شبكة مصالحها المعقدة، فرغم تذبذب مواقف ترامب وظهوره في قمة الناتو الأخيرة بحسب وصف هرئيل، إلا أن الإدارة الأميركية تظل متمسكة بنهج معارضة استئناف أي حرب شاملة في المنطقة.

وتعمل واشنطن ككابح جماح للاندفاع العسكري الإسرائيلي، مستغلة حاجة تل أبيب الدائمة للغطاء السياسي والتسليحي الأميركي، وموازنة ذلك برغبتها في الإبقاء على تركيا كحليف أطلسي أساسي في مواجهة روسيا وإيران، ما يجعل الإدارة الأميركية تميل إلى إدارة التوترات والاعتماد على الدبلوماسية ولعبة التوازنات بدلاً من السماح بالانزلاق نحو صدام مسلح مباشر.

وتظهر الحسابات الداخلية لنتنياهو كعامل أساسي في تسعير الخطاب العدائي؛ إذ تؤكد التحليلات أن السعي لعرقلة تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة في إخفاق «7 أكتوبر» وتأجيلها لما بعد انتخابات تشرين الأول 2026 يؤجج الغضب الداخلي، لا سيما بين عائلات الضحايا. ويبقى الطرح الذي يرجحه عاموس هرئيل في ختام قراءته هو أن الناخب الإسرائيلي لن يتجاهل حقيقة أن النمو الكبير لقوة حماس وحزب الله حدث في معظم أوقات ولاية نتنياهو، مما يجعل التصعيد الراهن مع تركيا أشبه بـ'هروب إلى الأمام» ومحاولة لصناعة عدو خارجي جديد لغايات انتخابية، مرجحاً كفة التسوية المضطرة وضبط الإيقاع الأميركي على خيار المواجهة العسكرية المفتوحة.