تتزايد المخاوف بشأن مصير الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، الذي لا يزال معتقلاً لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلية منذ 27 كانون الأول 2024، من دون توجيه لائحة اتهام أو إخضاعه لمحاكمة، وسط تقارير حقوقية وأممية تتحدث عن تدهور خطير في حالته الصحية وتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة.
وجاءت هذه المخاوف بالتزامن مع رد الحكومة الإسرائيلية على التماس قدمته منظمة «أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل»، طالبت فيه بالإفراج عن 14 طبيباً فلسطينياً، من بينهم أبو صفية، إذ دعت الحكومة الإسرائيلية المحكمة إلى رد الالتماس وشطبه، مؤكدة استمرار احتجازه، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان.
ويعد أبو صفية من أبرز أطباء الأطفال في قطاع غزة، واشتهر باستمراره في تقديم الرعاية الطبية داخل مستشفى كمال عدوان رغم الحصار والقصف، حتى بعد استشهاد نجله في غارة إسرائيلية.
وفي 27 كانون الأول 2024 اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلية خلال اقتحام المستشفى، ومنذ ذلك الحين يحتجز بموجب قانون «المقاتلين غير الشرعيين»، الذي يسمح باحتجاز سكان غزة لفترات طويلة من دون توجيه تهم أو محاكمة. وفي 16 حزيران 2026 رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية استئنافه، وأقرت استمرار احتجازه حتى تشرين الأول المقبل على الأقل.
وتستند أحدث المعلومات بشأن أوضاعه إلى زيارة أجراها في الثاني من تموز 2026 المحامي ناصر عودة من «أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل»، حيث وثق في إفادة مشفوعة بالقسم أن الطبيب بدا في حالة صحية متدهورة، مع إصابات حديثة في الرأس والعينين والأذنين والرقبة، وفقدان كبير في الوزن يقدر بنحو 40 كيلوغراماً منذ اعتقاله، إضافة إلى صعوبة في التنفس والجلوس، مع تقييد يديه وقدميه بالأغلال وحراسته من قبل عناصر ملثمين.
وبحسب الإفادة، قال أبو صفية، لمحاميه: «هذه هي المرة الأخيرة التي تراني فيها... لقد أحضروني إلى هنا ليقتلوني. لا أعتقد أنني سأنجو.. هذه هي النهاية.» كما أكد أنه تعرض للضرب المبرح بعد جلسة استئنافه أمام المحكمة العليا في العاشر من حزيران، عندما اعتدى عليه عدد من الحراس داخل زنزانة العزل باستخدام مطرقة وهراوات، مضيفاً أنه منذ نقله إلى قسم «راكيفت» في سجن نيتسان يتعرض لاعتداءات يومية أفقدته الوعي مرات عدة من دون أن يتلقى علاجاً طبياً مناسباً.
في المقابل، قالت الحكومة الإسرائيلية في ردها على الالتماس إن أبو صفية خضع لعدة فحوصات طبية منذ نقله إلى قسم «راكيفت»، وإنه لا توجد مؤشرات إلى أن حياته في خطر،إلا أن «أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل» اعتبرت أن الرد تجاهل الادعاءات المتعلقة بالتعذيب والإصابات الموثقة، ولم يكشف نتائج الفحوصات الطبية أو يسمح بإجراء فحص مستقل أو الاطلاع على ملفه الطبي، كما تجاهل طلب السماح لجهة مستقلة بزيارة مكان احتجازه.
وأثارت القضية ردود فعل واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية.
فقد اعتبرت منظمة «أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل» أن حياة أبو صفية في خطر وشيك، مطالبة بنقله فوراً إلى مؤسسة طبية مناسبة، وإجراء فحص طبي مستقل، والسماح برقابة قضائية على ظروف احتجازه، والإفراج عنه.
كما وصفت منظمة العفو الدولية المعلومات المتعلقة بظروف احتجازه بأنها «مرعبة»، معتبرة أن ما يتعرض له من تعذيب وسوء معاملة بحق طبيب كرّس حياته لإنقاذ المرضى يمثل انتهاكاً خطيراً يستوجب تدخلاً عاجلاً.
وفي السادس من تموز 2026، أصدر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي قراراً اعتبر فيه أن اعتقال أبو صفية يشكل احتجازاً تعسفياً مخالفاً للقانون الدولي، لعدم وجود أساس قانوني واضح لاعتقاله، وحرمانه من ضمانات المحاكمة العادلة واعتماد أدلة سرية لا يستطيع هو أو محاموه الاطلاع عليها، إضافة إلى ما وصفه بوجود تمييز في تطبيق القانون على الفلسطينيين المحتجزين بموجب قانون «المقاتلين غير الشرعيين». ودعا الفريق إلى الإفراج الفوري عنه ومنحه حقه في التعويض وجبر الضرر.
بدوره، طالب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإفراج الفوري عن الطبيب الفلسطيني، معتبراً أن استمرار احتجازه ينتهك عدداً من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، محذراً من أن قضيته قد تعكس نمطاً أوسع من الاعتقالات التعسفية واستهداف الكوادر الطبية الفلسطينية.
وامتدت المطالبات إلى المجتمع الطبي الدولي، إذ ناشدت الرابطة الإيطالية لأطباء الأطفال الحكومة الإيطالية التدخل دبلوماسياً، بينما نظم أطباء في لندن وقفات احتجاجية للمطالبة بالإفراج عنه وعن زملائه المعتقلين.
وفي بيان أصدره نجله إلياس، وصف حالة والده بأنها «حرجة بين الحياة والموت»، داعياً المجتمع الدولي ووسائل الإعلام إلى التحرك العاجل للضغط من أجل وقف ما يتعرض له من تعذيب، وتأمين الرعاية الطبية اللازمة، والسماح بمتابعة حالته عبر جهات قانونية وإنسانية مستقلة.
وطالب عدد من أعضاء البرلمان البريطاني، بينهم ناديا ويتوم وريتشارد بورغون وجيريمي كوربين، الحكومة البريطانية بالتحرك للإفراج عن أبو صفية وتأمين العلاج الطبي له، فيما دعت منظمات حقوقية إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية للضغط على إسرائيل.
وفي تل أبيب، نظم نحو مئة متظاهر وقفة احتجاجية أمام مقار حكومية للمطالبة بالإفراج الفوري عنه.
وتحولت قضية أبو صفية إلى واحدة من أبرز القضايا الإنسانية المرتبطة بالحرب على غزة، في ظل استمرار احتجازه دون محاكمة، والتقارير المتزايدة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة، والمطالبات الدولية المتصاعدة بالإفراج عنه وضمان حصوله على الرعاية الطبية والحماية القانونية.