كتاب

الوصاية الهاشمية والأمن القومي

الوصاية الهاشمية والأمن القومي.. صخرة الثوابت في زمن التحولات المتسارعة لم تكن القدس يوماً مجرد بندٍ روتيني على جدول أعمال السياسة الخارجية الأردنية، بل هي نبض حي يتجاوز حدود الجغرافيا، وصياغة حقيقية لهوية وطنية التزمت تاريخياً بالدفاع المبدئي عن مقدسات الأمة الإسلامية والمسيحية. وفي ظل الأعاصير الجيوسياسية الحالية والمخططات المتسارعة التي تحيط بالمنطقة، تبرز الوصاية الهاشمية اليوم كخط الدفاع الأخير وصمام الأمان الذي يحمي الهوية العربية للمدينة المقدسة، ويقف حائلاً أمام محاولات الطمس والتهويد والتصفية المستمرة التي تسعى لفرض واقع جديد بالقوة الجبرية. ومن هنا أؤكد أن الالتزام الأردني التاريخي، الذي يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني بحكمة وصلابة واستشراف دقيق للمستقبل، لا ينطلق من اعتبارات تكتيكية عابرة، بل هو تجسيد لشرعية دينية وتاريخية ممتدة وثوابت راسخة غير قابلة للمساومة، بالرغم من حجم الضغوطات والملفات الاقتصادية والسياسية المعقدة.
وتتجسد هذه التوجيهات الملكية السامية للدبلوماسية الأردنية بشكل ملموس وميداني في تلك الزيارات المكوكية والجهود الحثيثة التي لا تتوقف، والتي يقوم بها رجل الدبلوماسية الرفيع، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين، معالي أيمن الصفدي، بهدف بناء جدار دولي وإقليمي صلب، وحشد رأي عام عالمي يمنع المساس بالوضع القانوني والتاريخي القائم بالمدينة المقدسة. ونحن كمراقبين للأوضاع في الأراضي الفلسطينية والتطورات على أرض الواقع، نحذر من مغبة الاستمرار في سياسات القضم التدريجي وتغيير الواقع الديموغرافي، لا سيما في ظل المواقف الاستفزازية الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن بصلف وعناد أن القدس ستبقى تحت سيادة أحادية مطلقة ولن يتم تقسيمها مجدداً، ضارباً بعرض الحائط كافة القرارات والمواثيق الدولية. إن هذا العناد والتعنت السياسي الذي تقوده حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، يترجمه الاحتلال فعلياً اليوم على الأرض عبر رصد ميزانيات ضخمة لتوسيع البؤر الاستيطانية على طول الحدود الشرقية ومحيط القدس لتطويقها وعزلها كلياً.
إن هذه الغطرسة تفرض علينا دق ناقوس الخطر؛ فالأردن يعي تماماً بخبرته المتراكمة أن أي مساس بالمقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك بمساحته البالغة 144 دونماً، ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو نسف لركائز الاستقرار الإقليمي، ومحاولة خطيرة لجر المنطقة وشعوبها إلى آتون صراعات صفرية قائمة على أسس دينية وعقائدية متطرفة لا يمكن السيطرة على امتدادها الكارثي. لذا، يصبح من باب المسؤولية التاريخية والمصالح المشتركة أن يستوعب قادة دول المنطقة والعالم بأسره هذه المعادلة الحساسة، وأن يقفوا صفاً واحداً في دعم الجهود الهاشمية لردع هذا التعنت الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يتقاطع بشكل واضح مع الموقف البريطاني والدولي الصارم الذي يؤكد على ضرورة حماية الوضع التاريخي القائم في القدس؛ فحماية هذه الوصاية ليست انحيازاً لطرف سياسي، بل هي استثمار مباشر في حماية المنظومة الأمنية الدولية وتحصين للسلم العالمي من انفجار مدمر ستمتد شظاياه الاقتصادية والأمنية لتطال العواصم الكبرى في الغرب والشرق على حد سواء. إن هذا الحراك الخارجي المؤثر لا يمكن فصله عن متانة الجبهة الداخلية؛ إذ يستمد الزخم الدبلوماسي في عواصم القرار العالمي قوته وصلابته بالدرجة الأولى من وعي الشعب الأردني، والتفافه المطلق حول قيادته الهاشمية وجيشه العربي المصطفوي. وتأتي دماء شهداء هذا الجيش الأبي، التي روت ثرى فلسطين على مر العقود، لتكون شاهداً حياً وعميقاً على محورية هذه القضية وأولويتها القصوى لدى الأردنيين بمختلف منابتهم وأطيافهم.
فستبقى فلسطين ومقدساتها هي حجر الأساس الذي يُبنى عليه أي مشروع حقيقي لاستقرار وازدهار وتقدم شعوب المنطقة، وعلى المجتمع الدولي ومراكز صنع القرار العالمي أن يسمعوا وبكل وضوح: إن أي طريق يتجاوز هذه الحقوق المشروعة أو يحاول تهميش الرؤية الأردنية هو طريق مليء بالألغام الجيوسياسية، وأن أي غض للطرف عن العبث بالوضع القائم والتغاضي عن عناد حكومة الاحتلال سيكون بمثابة ضوء أخضر لكارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة ستدفع ثمنها البشرية جمعاء.
ختاماً، سيبقى الأردن، بقيادته وشعبه وجيشه، صخرة صلبة تتحطم عليها كل المشاريع المشبوهة والمخططات التصفوية، إن الحفاظ على أمانة الوصاية ودعم صمود الأشقاء على أرضهم التاريخية هو واجب قومي وديني لا تراجع عنه ولا مهادنة فيه، لتظل القدس عربية الوجه والقلب واللسان، وشاهدةً على عهد الوفاء الهاشمي المستمر عبر الأجيال.
كاتب ومحلل سياسي.
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا