محليات

الخطاب الإعلامي في عصر المنصات.. من نقل الحدث إلى صناعة الوعي

دعوات إلى سياسات تحريرية تواكب العصر وتحافظ على المهنية

لم يعد تجويد الخطاب الإعلامي الرسمي خيارًا لتحسين الأداء أو تطوير الشكل، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في المشهد الإعلامي وتحديات العصر الرقمي، في ظل تصاعد تدفق المعلومات واتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي.
ولم يعد الجمهور يكتفي بتلقي الخبر، بل بات يبحث عن محتوى موثوق، وتحليل عميق، ورسالة إعلامية تتسم بالمهنية والموضوعية والقدرة على بناء الوعي.
وينطلق تجويد الخطاب الإعلامي من احترام عقل المتلقي وتقدير مستوى وعيه، عبر تقديم رسالة دقيقة وواضحة ومتوازنة، تخلو من التهويل أو التبسيط المخل، وتلتزم بأخلاقيات المهنة وقيم المسؤولية، بعيدًا عن الإثارة غير المبررة أو التحريض أو التنميط، فالإعلام المؤثر اليوم هو الذي يجمع بين المصداقية وجودة المحتوى والقدرة على الإقناع، بما يعزز ثقة الجمهور ويخدم الصالح العام.
وفي ضوء ما توفره منصات التواصل الاجتماعي المختلفة من مساحة واسعة للوصول إلى الجمهور، فقد أدى ذلك إلى تقدم الإعلام الرقمي، وبذلك تكون قد أضافت للناس مساحة حرة للتعبير، لكنها في الوقت ذاته أسهمت في نشر كم هائل من المعلومات المغلوطة، وهنا يصبح الإعلام المهني مسؤولًا عن غربلة الحقائق وتقديم محتوى نوعي يفرض احترامه وحضوره.
المطلوب رسميًا وجود لغة ذكية وواعية تستثمر الرسالة الإعلامية بطريقة دقيقة تليق بعقل المتلقي وذائقته، كما أن على المؤسسات الإعلامية دورًا ومسؤولية كبيرة ومهمة في نقل الخطاب الإعلامي المهني، واستثمار القدرات الصحفية لديها، وتطوير قدراتهم على مهارات الكتابة التحليلية، والإعلام الرقمي، وفنون الخطاب المؤثر.
ولا شك أن صياغة السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية والصحفية لا بد لها أن تواكب المستجدات دون المساس بالمهنية الصحفية، ولم يعد المطلوب من الصحفي أو الوسيلة الإعلامية أن تنقل الحدث فقط، بل أن تحلله، وتربط بين أسبابه ونتائجه، وتقدم سياقًا متوازنًا للجمهور. هذا هو الفرق بين الخطاب العادي والخطاب المجود، وأن الخطاب المجود لا يكتفي بالمعلومة، بل يضعها في قالب يخدم الصالح العام ويحصن وعي المتلقي ضد الانحرافات والتأويلات المغرضة.
وبحسب الباحث والمختص في تأثير وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الدكتور خالد الجبول، من المهم وجود إعلام يصنع الوعي لا يستهلكه، هذا هو الهدف الأسمى لإعلامنا وصحافتنا.
وأضاف: «في زمن الضجيج الإعلامي والتهويل، لا بد من تحديث لغة الخطاب الإعلامي والصحفي، فهو الرهان الرابح في تكوين إعلام مؤثر ليس بالأكثر صخبًا، بل بالأكثر مسؤولية، والحاجة إلى إعلام يعلي من شأن العقل، ويعيد الثقة بين المنصة والجمهور، ويكون شريكًا في البناء وتشكيل الوعي والأمن الوطني».
وقال الجبول إنه، وفي ظل تحديات وطنية وإقليمية معقدة وأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، فإن دور الخطاب الإعلامي أن يكون مسؤولًا عن التهدئة لا عن التأجيج، وأن الخطاب الإعلامي المجود الموضوعي والمتزن يكمن في عرضه للوقائع دون انحياز أو انتقاء يخدم أجندات معينة، وأن يحمل تحليلًا عميقًا، وتابع: «ولا يكتفي بالنقل، بل يفسر ويحلل الخلفيات والتداعيات، وأيضًا لا يمكن إغفال الجانب الإنساني في تركيزه على قصص الناس وهمومهم، لا على التصريحات الرسمية وحدها».
فيما أكد المستشار والباحث القانوني الدكتور مصطفى عواد أهمية تحديث الخطاب الإعلامي وتطوير أساليب عرض المحتوى الإعلامي ولغته بما يتناسب مع احتياجات الجمهور، مع الحفاظ على المصداقية والموضوعية، مشيرًا إلى أن التحديث يشمل توظيف التقنيات الرقمية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، والوسائط المتعددة للوصول إلى مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب الذين يعتمدون بشكل كبير على الإعلام الرقمي.
وأضاف: «تبرز أهمية هذا التحديث في مواجهة الشائعات والأخبار المضللة التي تنتشر بسرعة عبر الإنترنت، من خلال تقديم معلومات دقيقة وموثوقة بأسلوب واضح وجذاب، كما يسهم في تعزيز ثقافة الحوار ونشر قيم التسامح والانتماء الوطني ودعم جهود التنمية المستدامة».
وبين أن التحديث يتطلب أيضًا تأهيل الإعلاميين وتطوير مهاراتهم المهنية، والالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي واحترام التنوع الثقافي والفكري للمجتمع، لافتًا إلى أن تحديث الخطاب الإعلامي يمثل استثمارًا في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات، ذلك أن الإعلام المتجدد هو إعلام قادر على التأثير الإيجابي ومواكبة العصر وخدمة قضايا الوطن والمواطن بكفاءة ومسؤولية.