كتاب

المهنية والنموذج والثقافة والحرص: عنوان السفارة الأردنية بقطر

مدفوعًا بالفخر والرضا عن أداء السفارة الأردنية في الدوحة - من منظور متلقي خدمة-اجدني مدينًا ببعض الكلمات في حق طاقم السفارة وعلى رأسهم سعادة السفير زيد اللوزي. قد يبدو، للوهلة الأولى بأن تشكيل مقاربة ذات ركائز خدمية وطنية وأكاديمية، صعبة بعض الشيء، ولكن، القدرة على تجاوز ذلك قد تكون ممكنة في حالات الشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وبالتالي يُعد استدعاء مكامن المنطق، ونظرية النظم، ومُخرج الخدمة، وتعميم النموذج الأردني، أدوات مهمة ومساعدة لتشكيل تلك المقاربة.
لفهم أكثر نُضجًا يستهدف تكييف مخرج خدمة محددة Micro خارج حدود الوطن، يحتاج لنظرة شمولية Macro تأصيلية وتأطيرية؛ لتعود به للجذور، بمعنى آخر، لا بد من فهمه ضمن سياقات الرؤية و الرسالة والمنهج، والأدوات والقياس: لذلك تُعد هذه التوليفة، والتي تبدأ من رؤية استشرافية لجلالة الملك والهادفة لتطوير وتحسين جودة الخدمات المُقدمة للأردني داخل حدود الوطن وخارجه، بمثابة بوصلة لعمل الحكومات، وهذه الحكومة على وجه التحديد، حيث تتبلور الرؤية ضمن خطط استراتيجية بسياقات تشريعية من خلال أدوات تنفيذية تُسهل ترجمة تلك التوجيهات.
لقد سهّلت كثيرًا الخدمات الإلكترونية إنجاز اعمال المواطنين، وخاصة المغتربين، وهذا جزء من التوجه العالمي نحو الاتمتة والتقليل من البيروقراطية وما ينتج عنها من سلبيات. وعلى الرغم من الانطباع العام الذي قد يتشكل لدى الغالبية عن أن وجود هذه الخدمات يعمل بشكل منفصل عن العامل البشري المباشر، إلا أن هناك حالات للتدخل البشري، وبما يخدم موضوع هذا المقال، فنحن معنيون بتقديم ما خرجنا به من معايشة حالات مشابهة استدعت تدخل افراد اكفياء في السفارة الاردنية بالدوحة. هذا الدور من العمل القنصلي تم تقديمه بطريقة مهنية يطغى عليها الرغبة والمسؤولية في خدمة المواطن الأردني ضمن منظومة سياسية ووظيفية أطرتها الدافعية والعمل المُخلص والمُنتج، وفي هذا مصلحة وطنية عليا؛ تُنتج آثارًا ايجابية على مستوى اداء العمل المؤسسي، ورضا متقلي الخدمة، وبالتالي التأسيس لمنهج عملي وعلمي ومؤسسي راسخ؛ لأن ذلك، وبطريقة تكاملية، يسهم في تحقيق الاهداف الساعية لجعل الاردن نموذجًا في المنطقة.
ولكن، تلك التوليفة التي ذكرت، لا تعمل بفراغ، بل تريد حاضنة اجتماعية عنوانها القيم، والتقاليد، والأعراف، والثقافة المجتمعية، وهذا مدخل نظري مهم يسهم في فهم الدافعية والمهنية والجودة في تقديم الخدمة عمليًا. تتشكل الثقافة الوطنية الأردنية من عناصر تاريخية واجتماعية ودينية وسياسية. وربما تحتل العناصر الاجتماعية الأهمية الكبرى؛ وذلك لمساهمتها في تشكيل كثيرًا من باقي العناصر الأخرى باعتباره الحاضنة الأساسية لجميع تلك التفاعلات. من الصعوبة بمكان فهم السياق الأردني بشكل عام بمعزل عن فهم دور القيم والعادات والتقاليد الأردنية بكل مكوناتها. فالكرم، وحسن الضيافة، والتقدير، والاحترام، والتسامح والتعايش والتكافل، جميعها طاقة مُحفزة انتجتها البادية والقرى الأردنية، والتي طوعّها العمل المؤسسي واعادة انتاجها لتتسق مع الثورة العالمية سواء التكنولوجية أو حتى تلك الاجتماعية لتحفظ الخصوصية الأردنية في عالم معولم يعج بالتنوع والاختلاف.
وبشكل أكثر تحديدًا، كيف يمكن أن يتم تحفيز طاقم السفارة بمضاعفة جهودهم، وخلق حالة من التنافس الايجابي مع الآخرين لرفع جودة العمل؟ قد يكمن جُل الجواب، في النموذج القدوة، فعندما يترك السفير مكتبه المُكّيف في صيف الدوحة اللاهب حرصًا منه على متابعة أعمال الصيانة لمبنى السفارة الخارجي بنفسه، وهذا تزامن مع وجودي في السفارة، حيث كان يقدم التوجيه والملاحظات للمهندسين والعاملين ليقدم رسالة لهم مفادها: أنني اتابع بنفسي أعمالكم، وهذا مقدم لخدمة الأردنيين، ومن اموالهم، وأنتم محاسبون على أعمالكم، ورسالة لطاقم السفارة تقول: لا مكان إلا للعمل الإبداعي والجاد والمُنتج لخدمة الأردنيين، وربما، وبطريقة غير مباشرة يقدم رسالة ثالثة لنا تقول: هذا هو منهجنا في تحقيق رؤى جلالة الملك في خدمة الإنسان الأردني، وإن وجدتم تقصيرًا فنحن محاسبون عليه اخلاقيًا ووظيفيًا، وربما يأتي هذا المقال، ليقول نعم أحسنتم بتقديم واجبكم الوظيفي بنكهة اجتماعية قيمية أردنية .
- استاذ مساعد بقسم الشؤون الدولية والسياسة العامة، بجامعة لوسيل، قطر.