هذه اللحظات التاريخية يجب أن تشكل نقطة انطلاق لرحلة أكبر،وفي الرياضة، كما في السياسة والاقتصاد،فإن المحافظة على هذا الإنجاز لا تكون بالتمسك بالمعادلات ذاتها، وإنما بالانتقال إلى معادلات جديدة أكثر طموحاً، حيث يصبح التغيير ضرورة، مع إدراكنا أنه لا ينفي ما حققناه من نجاح، لأنه أفضل وسيلة لحماية النجاح الذي تحقق.
لقد أدى القائمون على الاتحاد والمنتخب الوطني ما التزموا به من تطوير في منظومة كرة القدم، وما يستتبع ذلك من إنجاز، وتوحد الأردنيون خلف منتخبهم، وارتفع العلم الأردني ليجمعنا، على اختلاف ألوان طيفنا، تحت ظله، فحققت كرة القدم ما لم يحققه الساسة الأردنيون.
واستطاع اتحاد كرة القدم، برئاسة سمو الأمير علي بن الحسين، بمختلف تشكيلاته، منذ أكثر من ربع قرن، إحداث تراكم كمي ونوعي للإنجازات، وخطا خطوات جرئية وفتح مسارات لم تكن قد تمت مقاربتها سابقاً، وفي ذات الوقت تحمل القائمون على مشروع تطوير كرة القدم الأردنية الضغوط والانتقادات، وسيبقى إنجاز الوصول الأول إلى نهائيات كأس العالم فقرة غير منسية في كتاب تاريخ إنجازات الرياضة الأردنية.
وترى إحدى المدارس في علم الإدارة أن التغيير الناجح يتم في لحظة الذروة وليس في لحظة التراجع، وكما يقول كلايتون كريستنسن، وهو أحد أبرز علماء الإدارة والاستراتيجية، وأستاذ في جامعة هارفرد، إن "المؤسسات لا تسقط لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها كانت ناجحة أكثر مما ينبغي، فلم ترَ الحاجة إلى التغيير"، لذلك فإن التغيير وإعادة بناء شاملة لمنظومة كرة القدم الأردنيةيؤدي لاستدامة الإنجازات ويمنع تحولها إلى مجرد ذكريات جميلة فقط.
من سيتولى المرحلة القادمة يدرك أن البداية يجب أن تكون من تطوير النموذج الاحترافي الحالي كي يكون لدينا احتراف حقيقي وليس احترافاً شكلياً، فالاحتراف الشكلي يجعل الأندية عاجزة عن بناء استقرار مالي أو إداري طويل الأمد، وهو ما ينعكس بالضرورة على مستوى اللاعبين ومستوى الدوري المحلي، وتصبح كرة القدم الأردنية غير قادرة على تصدير اللاعبين إلى الخارج.
قد تكون الخطوة الضرورية والجريئة هي اتخاذ قرار بتحويل الأندية إلى شركات، مع توفير البيئة التشريعية والضريبية والاستثمارية المناسبة، فالأندية الحديثة لم تعد مجرد فرق لكرة القدم وإنما مؤسسات اقتصادية تستثمر في اللاعبين وتسوق علاماتها التجارية وتدير حقوقها الإعلامية وتستقطب المستثمرين، كما أن نموذج الاحتراف نفسه يحتاج إلى مراجعة عميقة، لأننا في عالم أصبحت فيه التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق بين الفوز والخسارة، وبالتالي لا يمكن الاكتفاء بالمفاهيم التقليدية.
ولكن لكي يكون الاستثمار مجدياً لا بد من أن نبدأ بالفئات العمرية،فتطوير بطولات الفئات العمرية لم يعد ترفاً، حيث يجب أن يقفز الاهتمام بالفئات العمرية إلى قمة الأولويات في المشروع الوطني لكرة القدم، مع توسيع شبكات اكتشاف المواهب في جميع المحافظات، وكذلك إعادة الاعتبار لكرة القدم المدرسية والجامعية،وبناء مسار واضح ينتقل خلاله اللاعب الموهوب من المدرسة إلى النادي، ومن النادي إلى المنتخبات الوطنية، وفق نظام مؤسسي مستدام.
ثورتنا الأولى في كرة القدم كانت بفوز الأردن ببطولة العرب عام 1997، حين كان جلالة الملك عبدالله الثاني ( الأمير حينئذٍ )رئيساً لاتحاد كرة القدم، وثورتنا الثانية، بما وصلت إليه من إنجازات، قادها سمو الأمير علي بن الحسين، والآن نحن على أعتاب ثورة ثالثة تنجح ببناء منظومة تجعل الوصول إلى نهائيات كأس العالم أمراً طبيعياً، وتدفع المنتخب إلى تجاوز دور المجموعات والتأهل إلى الألعاب الأولمبية بصورة منتظمة.
ومن يدري، فقد نتعلم من كرة القدم الكثير في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة العامة، ويمكن أن يقودنا التغيير القادم في مجال كرة القدم إلى تغييرات في المجالات كلها، بحيث نتعلم من مجال ناجح شروط النجاح ونطبقها على مجالات أخرى.
ولا يمكن إلا أن أقول، كغيري من الأردنيين، شكراً لسمو الأمير علي بن الحسين، فقد أهديت الأردنيين فرحتهم وجمعتهم على حلم تحقق، فرفرف العلم عالياً وصار الصوت واحداً أننا أردنيون.