أجمع خبراء اقتصاديون على أن موافقة البنك الدولي على تمويل بقيمة 700 مليون دولار للأردن ليست مجرد إضافة مالية، بل تحمل دلالة اقتصادية أعمق تتعلق بمستوى الثقة الدولية في قدرة الاقتصاد الأردني على الانتقال من مرحلة الحفاظ على الاستقرار إلى مرحلة تحفيز الاستثمار الخاص وتوليد فرص العمل.
ولفت الخبراء، في أحاديث لاالرأي، إلى أن موافقة البنك الدولي على هذا البرنامج تعني عمليًا أن المؤسسة الدولية ترى أن الأردن يسير في الاتجاه الصحيح على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، وأن لديه القدرة المؤسسية على تنفيذ المرحلة التالية من الإصلاح، وهي مرحلة تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى نمو يقوده القطاع الخاص بدلًا من الاعتماد على الإنفاق الحكومي وحده.
وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي على قرض بقيمة 700 مليون دولار لدعم الأردن في تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى استثمارات خاصة أقوى، وفرص عمل أكثر وأفضل.
وسيساهم برنامج تمويل سياسات التنمية للنمو والتنافسية في الأردن (المرحلة الثانية) في دعم جهود الحكومة الأردنية الرامية إلى تحفيز الاستثمارات الخاصة، وتوسيع نطاق الحصول على التمويل، وخلق المزيد من فرص العمل، وتسريع وتيرة التحول الأخضر والرقمي في البلاد.
لقد حافظ الأردن على استقرار الاقتصاد الكلي، على الرغم من البيئة الإقليمية الصعبة، حيث سجّل نموًا في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 2.8% في عام 2025، كما حصل في عام 2024 على أول ترقية في تصنيفه الائتماني السيادي منذ أكثر من عقدين، والتي تم الحفاظ عليها مجددًا في عام 2025.
وتتمثل الفرصة اليوم في تحويل هذا الاستقرار الاقتصادي إلى استثمارات وفرص عمل، وتسريع وتيرة النمو، وتوسيع الفرص الاقتصادية أمام جميع الأردنيين.
وتعليقًا على ذلك، قال جان كريستوف كاريه، المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي: «لقد تمكّن الأردن من اجتياز بيئة إقليمية صعبة بانضباط وتصميم، محافظًا على استقرار الاقتصاد الكلي، ومواصلًا زخم الإصلاحات. وسيساهم هذا البرنامج في دعم جهود الحكومة الأردنية لتحويل الاستقرار إلى نمو أقوى للقطاع الخاص، وذلك من خلال تسهيل ممارسة أنشطة الأعمال وخفض تكلفتها، وتوسيع فرص الحصول على التمويل–بما في ذلك لرائدات الأعمال–والمضي قدمًا في تنفيذ أجندة الإصلاحات الرقمية والخضراء وفي قطاع الطاقة."
وفي تعقيبه على موافقة مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي بمنح الأردن قرضًا بقيمة 700 مليون دولار، أشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن ذلك يمثل رسالة ثقة دولية جديدة بالاقتصاد الأردني وبمسار الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة الأردنية. فمثل هذه القروض لا تُمنح عادةً إلا بعد إجراء تقييم دقيق لمتانة الاقتصاد الكلي وقدرته على الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات وتحقيق الاستقرار المالي.
كما أضاف مخامرة بأن الأهمية الحقيقية لهذا البرنامج تكمن في أنه يركز على الإصلاحات الهيكلية، وليس فقط على توفير السيولة. فهو يستهدف تحسين بيئة الأعمال، وتوسيع فرص التمويل أمام الشركات، وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر، وهي جميعها عناصر أساسية لزيادة تنافسية الاقتصاد الأردني وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
كما تابع مخامرة بأن اختيار البنك الدولي عنوان «تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى استثمارات خاصة» يحمل رسالة واضحة، وهي أن الأردن نجح خلال السنوات الماضية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي رغم الظروف الإقليمية المعقدة التي تحيط بالمنطقة. كما أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذا الاستقرار إلى نمو اقتصادي أعلى، واستثمارات إنتاجية، وفرص عمل مستدامة، وهو التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الوطني.
كما أشار مخامرة إلى أن القطاع الخاص يجب أن يكون المستفيد الرئيس من هذه الإصلاحات، لأن النمو الحقيقي لا تقوده الحكومات وحدها، وإنما يقوده الاستثمار والإنتاج والابتكار. لذلك فإن نجاح هذا البرنامج سيقاس بمدى زيادة الاستثمارات الجديدة، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وخلق فرص عمل نوعية للشباب والمرأة، وليس فقط بحجم القرض أو طريقة صرفه من قبل الحكومة.
وختم بالقول بأنه، ورغم أهمية هذا التمويل، فإن الاستفادة القصوى منه تتطلب تسريع تنفيذ الإصلاحات الحكومية، وإزالة التحديات البيروقراطية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وضمان وصول التمويل إلى القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية. وعندها فقط يمكن تحويل الثقة الدولية بالاقتصاد الأردني إلى مشاريع استثمارية حقيقية تنعكس على معدلات النمو، وتزيد فرص التشغيل، وتحسن مستوى معيشة المواطنين.
وقال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن، المهندس إيهاب قادري، إن موافقة البنك الدولي على تمويل بقيمة 700 مليون دولار للأردن ليست مجرد إضافة مالية، بل تحمل دلالة اقتصادية أعمق تتعلق بمستوى الثقة الدولية في قدرة الاقتصاد الأردني على الانتقال من مرحلة الحفاظ على الاستقرار إلى مرحلة تحفيز الاستثمار الخاص وتوليد فرص العمل.
وأضاف أن الأهمية هنا تكمن في أن التمويل يأتي في سياق إقرار دولي بأن الأردن نجح في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي رغم بيئة إقليمية صعبة، مع تسجيل نمو حقيقي بلغ 2.8% في عام 2025، والحفاظ على ترقية التصنيف الائتماني السيادي. وهذا يعني أن الأردن لا يُنظر إليه فقط كاقتصاد صامد، بل كاقتصاد يمتلك قاعدة إصلاحية يمكن البناء عليها لتحويل الاستقرار إلى نمو أكثر إنتاجية وشمولًا.
أما اقتصاديًا، فلفت قادري إلى أن القيمة الحقيقية لهذا التمويل ستتحدد بمدى نجاحه في تحسين بيئة الأعمال، وتخفيض كلف النشاط الاقتصادي، وتوسيع الوصول إلى التمويل، خاصة للمنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة التي تمثل نحو 99% من الشركات في الأردن.
وأضاف أن ما يلفت النظر في هذا البرنامج أنه لا يركز على التمويل بحد ذاته فقط، بل على إصلاحات بنيوية تشمل تبسيط إجراءات التراخيص، وتحديث المعاملات الإلكترونية، وتطوير أدوات تمويل جديدة، ودعم التحول الأخضر والرقمي، وتمكين الاستثمار الخاص في قطاع الكهرباء. وهذا مهم جدًا، لأن التحدي في الأردن لم يعد فقط في تأمين التمويل، بل في خلق بيئة اقتصادية تجعل القطاع الخاص أكثر قدرة على التوسع، والاستثمار، والتشغيل، ورفع الإنتاجية.
وأشار إلى أنه من هنا يمكن قراءة هذا القرار كفرصة حقيقية لتعزيز النمو الذي يقوده القطاع الخاص، إذا ما أُحسن توظيفه ضمن مسار إصلاحي واضح وموجه نحو الأثر المباشر على الاستثمار وفرص العمل.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن موافقة مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي على تقديم برنامج تمويل سياسات تنموية بقيمة 700 مليون دولار للأردن تمثل أكثر من مجرد توفير تمويل جديد، بل تعكس رسالة ثقة واضحة بأن الاقتصاد الأردني نجح في تجاوز مرحلة الحفاظ على الاستقرار، وأصبح مؤهلًا للانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
وأشار الحدب إلى أن اللافت في بيان البنك الدولي أن التركيز لم يكن على قيمة التمويل بقدر ما كان على الهدف منه، وهو تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى استثمارات خاصة أقوى وفرص عمل أكثر وأفضل، وهي الرسالة التي تتوافق بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي التي تضع القطاع الخاص في قلب عملية النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
وأوضح الحدب أن هذا النوع من التمويل، المعروف باسم تمويل سياسات التنمية (Development Policy Financing)، يختلف عن القروض التقليدية المخصصة لتمويل مشاريع البنية التحتية، إذ يُمنح للدول التي تنفذ برامج إصلاح اقتصادي وتشريعي ومؤسسي واضحة، ويهدف إلى دعم الإصلاحات التي تعزز تنافسية الاقتصاد وتحسن بيئة الأعمال، وتزيد قدرة القطاع الخاص على الاستثمار.
وأضاف الحدب أن موافقة البنك الدولي على هذا البرنامج تعني عمليًا أن المؤسسة الدولية ترى أن الأردن يسير في الاتجاه الصحيح على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، وأن لديه القدرة المؤسسية على تنفيذ المرحلة التالية من الإصلاح، وهي مرحلة تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى نمو يقوده القطاع الخاص بدلًا من الاعتماد على الإنفاق الحكومي وحده.
وأشار الحدب إلى أن الاقتصاد الأردني استطاع الحفاظ على استقراره رغم واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في المنطقة، حيث سجل نموًا حقيقيًا بلغ 2.8% عام 2025، في وقت خفض فيه البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي إلى 2.5% لعام 2026، كما نجحت المملكة في المحافظة على معدلات تضخم منخفضة، واستقرار سعر صرف الدينار، واحتياطيات أجنبية تجاوزت 27 مليار دولار، وهي مؤشرات شكلت قاعدة صلبة لبناء الثقة الدولية.
وأضاف أن الأردن حقق خلال عام 2024 أول ترقية في تصنيفه الائتماني السيادي منذ أكثر من عشرين عامًا، قبل أن يتم تثبيت هذا التصنيف مجددًا خلال عام 2025، وهو ما يعكس قناعة مؤسسات التصنيف الدولية بمتانة الاقتصاد الوطني واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية.
وأوضح الحدب أن المستثمرين العالميين لا يبنون قراراتهم الاستثمارية على الانطباعات، وإنما على مؤشرات تصدرها مؤسسات دولية مستقلة، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووكالات التصنيف الائتماني. ولذلك فإن استمرار الإشادة بأداء الاقتصاد الأردني ينعكس مباشرة على مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني، ويخفض المخاطر التي ينظر إليها المستثمر قبل اتخاذ قرار الاستثمار. وأكد الحدب أن هذه الثقة لا تنعكس فقط على الاستثمار الأجنبي المباشر، وإنما تمتد أيضًا إلى أسواق المال العالمية، حيث يعتمد الأردن بصورة دورية على إصدار سندات سيادية (يوروبوند) لتمويل جزء من احتياجاته التمويلية. وكلما ارتفعت ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأردني، انخفضت علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون عند شراء هذه السندات، وهو ما يعني انخفاض كلفة الاقتراض الخارجي، وتوفير مبالغ كبيرة على الخزينة العامة في صورة مدفوعات فوائد أقل.
وأضاف أن العلاقة بين الثقة الدولية وكلفة التمويل أصبحت اليوم علاقة مباشرة، فكل تحسن في التصنيف الائتماني أو في تقييم المؤسسات الدولية يمنح الأردن قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق المالية بشروط أفضل، كما ينعكس إيجابًا على قدرة البنوك والشركات الأردنية على الحصول على التمويل، بما يدعم النشاط الاقتصادي والاستثماري.
وأشار الحدب إلى أن الأهمية الاقتصادية لهذا البرنامج لا تكمن في التمويل فقط، وإنما في طبيعة الإصلاحات التي يدعمها، والتي تشمل تبسيط إجراءات الترخيص، وتحديث البيئة التشريعية للمعاملات الإلكترونية، وتوسيع الشمول المالي، وتطوير أسواق رأس المال، واعتماد أدوات تمويل حديثة مثل التمويل الجماعي، وتيسير الإقراض القائم على التدفقات النقدية، وهي إصلاحات تمثل نقلة نوعية في بيئة الاستثمار الأردنية.
وأضاف أن أهمية هذه الإصلاحات تتضاعف إذا علمنا أن المنشآت الصغرى والصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 99% من إجمالي الشركات العاملة في الأردن، وهي القطاع الأكثر قدرة على خلق فرص العمل، لكنها في الوقت نفسه الأكثر احتياجًا إلى التمويل والبيئة التشريعية المرنة، وهو ما يستهدفه البرنامج الجديد بصورة مباشرة.
وأوضح الحدب أن البرنامج يولي اهتمامًا كبيرًا بالتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر، من خلال دعم الرقمنة الكاملة للمدفوعات الحكومية، وتطوير منتجات التأمين، وتعزيز التمويل الأخضر، وتمكين الاستثمار الخاص في الطاقة، وهي إصلاحات من شأنها رفع الإنتاجية، وخفض تكاليف ممارسة الأعمال، وزيادة تنافسية الاقتصاد الأردني خلال السنوات المقبلة.
وأشار الحدب إلى أن المنافسة العالمية على جذب الاستثمار أصبحت أكثر شراسة، إذ تجاوزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا 1.5 تريليون دولار، ما يجعل نجاح الأردن في استقطاب حصة أكبر من هذه التدفقات مرتبطًا بقدرته على استثمار ميزة الاستقرار الاقتصادي، وتحويلها إلى بيئة أعمال أكثر جاذبية وكفاءة.
وأضاف أن نتائج هذا النهج بدأت تظهر بالفعل، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة إلى نحو 2.02 مليار دولار خلال عام 2025، بنمو نسبته 25.1% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى مستوى منذ عام 2017، بما يعكس تحسن ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأردني.
وأكد الحدب أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة تعظيم العائد منها، من خلال تسريع تنفيذ مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار في الصناعة، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتعدين، بما يسهم في خلق وظائف مستدامة، وزيادة الصادرات، ورفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وأوضح أن استقرار الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع المواطنين لمسوا نتائجه بصورة كاملة، فالنمو يحتاج إلى وقت حتى ينعكس على التشغيل، والدخول، ومستويات المعيشة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات جديدة تخلق فرص عمل نوعية، خاصة للشباب.
وأضاف الحدب أن الرسالة الأهم التي حملها برنامج البنك الدولي هي أن الأردن لم يعد بحاجة فقط إلى المحافظة على الاستقرار، بل إلى استثماره. فالاستقرار الاقتصادي ليس هدفًا بحد ذاته، وإنما هو رأس المال الذي تُبنى عليه قرارات الاستثمار، وتُخفض من خلاله كلفة التمويل، وتُولد فرص العمل، وتزداد الإنتاجية، وهو ما يشكل جوهر المرحلة الجديدة من مسيرة الاقتصاد الأردني.
وختم الحدب بالقول إن موافقة البنك الدولي على هذا البرنامج لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قرضًا بقيمة 700 مليون دولار فحسب، بل باعتبارها شهادة ثقة دولية جديدة بالاقتصاد الأردني وبرنامجه الإصلاحي. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشهادة ستقاس بقدرة الأردن على ترجمة هذه الثقة إلى مصانع جديدة، وشركات ناشئة، واستثمارات إنتاجية، ووظائف ذات قيمة مضافة، بحيث يشعر المواطن بأن الاستقرار الاقتصادي أصبح ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشته وجودة حياته، وهو الهدف الذي تسعى إليه رؤية التحديث الاقتصادي.