تستند منظومة التقييم المؤسسي في العديد من الدول، ومنها الأردن، إلى بنية هرمية من المؤشرات تبدأ بقياس المدخلات (الموارد المالية والبشرية)، مرورًا بالعمليات والأنشطة، وصولًا إلى المخرجات المباشرة، وأخيرًا مؤشرات الأثر التي تقيس التغيير الحقيقي طويل المدى. غير أن التحدي المنهجي الأكبر يكمن في صعوبة قياس هذا الأثر النوعي، الذي يتطلب دراسات ميدانية معقدة ومتابعة طولية مكلفة، مما يدفع المصممين، لا شعوريًا، إلى الانحياز نحو المؤشرات الكمية السهلة القياس، التي تستهلك الوزن النسبي الأكبر في التقييم، على حساب المؤشرات الجوهرية التي تعكس التغيير الفعلي في حياة المواطن.
يتجلى هذا التشوه بوضوح في قطاع التعليم، حيث يُختزل أثر الجامعة التنموي في أرقام صامتة، كعدد الخريجين ونسب النجاح، في حين تغيب مؤشرات تقيس المهارات الفعلية للخريج، ونسبة توظيفه في تخصصه، ومدى رضا أصحاب العمل عنه. كما يتكرر السيناريو نفسه في برامج التوعية المجتمعية، حيث يُقاس نجاح المبادرة بعدد الندوات المنعقدة والمواد المطبوعة، ولا يُقاس المؤشر الأهم، وهو مدى التغير الفعلي في سلوك الأفراد واتجاهاتهم بعد تنفيذ البرنامج.
وتجد هذه الظاهرة تفسيرها العلمي في النظرية الاقتصادية التي صاغها الخبير البريطاني تشارلز غودهارت، والمعروفة بـ"قانون غودهارت"، والتي تنص على أن المؤشر، عندما يتحول إلى هدف، فإنه يتوقف عن كونه مؤشرًا جيدًا. وهذا ما يفسر ميل المؤسسات إلى التركيز على الامتثال البيروقراطي وتعبئة أدلة الإثبات، على حساب صناعة القيمة المضافة الحقيقية.
إن معالجة هذا التشوه الهيكلي تستدعي إعادة هندسة الأوزان النسبية في أدلة التقييم، بحيث تُمنح العلامة الأعلى للأعمال التي تحقق أثرًا نوعيًا ملموسًا، وليس للنشاطات الإجرائية المجردة. كما تتطلب هذه المعالجة اعتماد مصفوفات قياس سلوكية دقيقة ترصد التغيير الفعلي في المجتمع، بالإضافة إلى الاستعانة بجهات قياس مستقلة (كمراكز استطلاع الرأي وبيوت الخبرة) لتقييم الأثر بموضوعية، وربط منح شهادات التميز بتحقق النتائج النوعية في الميدان.
إن مسيرة التحديث المؤسسي التي تنشدها دولتنا لن تكتمل إلا بامتلاك أدوات تقييم صادقة تعكس الواقع كما هو. فالمؤشرات الكمية أداة مهمة، لكنها ليست غاية.