وفي الأردن، حين يحتفل الأردنيون بعيد الميلاد الثاني والثلاثين لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، فإن الأمر لا يقتصر على الاحتفاء بمناسبة شخصية، بل يمتد ليعكس أسئلة وطنية كبرى، ماذا ينتظر الأردنيون من الأمير الذي يمثل جيلهم ويتحدث بلغتهم ويتحرك داخل عالمهم الرقمي ويعيش التحولات نفسها التي يعيشونها؟
فالأردن يقف اليوم عند لحظة انتقالية لا تقل أهمية عن أي مرحلة مر بها منذ تأسيس الدولة، فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الاقتصاد، والمنافسة بين الدول أصبحت سباقاً على المعرفة أكثر من كونها سباقاً على الموارد، فيما تتراجع الحدود التقليدية بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا، وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الأجيال القيادية الجديدة مطالبة بأن تفكر بطريقة تختلف عن الأجيال السابقة، دون أن تنفصل عن إرثها التاريخي الذي يشكل عمقاً مهماً وجذراً قوياً يربطها بالأرض دون أن يمنعها من التطاول في السماء.
لقد اعتاد الأردنيون أن يروا في أميرهم الحسين نموذجاً قريباً من المجتمع، حاضراً بين الشباب ومهتماً بالمبادرات ومشاركاً في الأنشطة الوطنية والإنسانية، ولكن، وكما عودنا الهاشميون، فإننا كأردنيين نبقى نطمح للأكثر ونرفع سقف توقعاتنا، وجيل الشباب لا يختلف عن أجيال الأردنيين السابقة، يملك الطموح وسقف توقعاته عالية، ويدرك أن الخطاب الملهم الذي يقدمه أميرهم من كل منبر يساعد في صناعة بيئة تمكنه من النجاح داخل وطنه، ويعول هذا الجيل أن يكون الأردن قادراً على خلق مؤسسات ممكنة لتحويل الطموح إلى فرصة والموهبة إلى مشروع والابتكار إلى اقتصاد.
ولعل الملف الأكثر إلحاحاً اليوم هو التكنولوجيا، فالأردن يمتلك رأس مال بشرياً يتمتع بكفاءة عالية، لكنه يحتاج إلى مضاعفة قدرته على إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها فقط، حيث يلعب سمو ولي العهد دوراً محورياً في هذا المجال، ويعمل على الدفع نحو اقتصاد رقمي متكامل، عبر تعزيز منظومة الشركات الناشئة واستقطاب الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والتقنيات الطبية، بما يجعل الأردن، مملكة الهاشميين، مركزاً إقليمياً للإبداع، وليس مجرد سوق للتطبيقات العالمية.
ويدرك الأردنيون أن قوة اقتصادهم تعتمد على قدرته على خلق وظائف ذات قيمة مضافة، وأن اقتصاد المستقبل هو اقتصاد المعرفة والصناعات المتقدمة وريادة الأعمال والبحث العلمي وسلاسل القيمة العالمية، حيث يقوم سمو ولي العهد بدور مؤثر كي يتحول الابتكار إلى جزء من الثقافة الاقتصادية، وأن تتحول الجامعات إلى محركات للإنتاج والتطوير، لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات.
ولا يمكن عدم الانتباه إلى الاهتمام الذي يمنحه سموه لقطاع السياحة، مدركاً أن المنافسة العالمية اليوم لا تقوم على امتلاك المواقع السياحية فقط، بل على صناعة التجربة السياحية واستخدام التكنولوجيا في الترويج وربط الثقافة بالاقتصاد الإبداعي وتحويل المدن التاريخية إلى مراكز نابضة بالحياة والاستثمار.
وكان اهتمام سمو ولي العهد بالرياضة مفصلاً حيوياً في إعادة قراءة الأردنيين لذاتهم، حيث أدركوا أن النجاح الرياضي لم يعد ترفاً، بل أصبح جزءاً من القوة الناعمة للدولة داخلياً وخارجياً، وبعد مشاركة منتخبنا الوطني بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، وما أحدثه ذلك من أثر داخلي وخارجي، بات من الضروري أن يقود سمو ولي العهد مرحلة الانتقال بالرياضة من الهواية إلى الاحتراف، بما يتطلبه ذلك من توسع في البنية الرياضية الحديثة، وأن تحظى الألعاب الفردية والجماعية على حد سواء بالدعم المؤسسي، وأن يصبح اكتشاف المواهب مشروعاً وطنياً يبدأ من المدارس وينتهي بالمنافسات الدولية.
ولا يقل قطاع الفنون والثقافة أهمية عن الاقتصاد أو التكنولوجيا؛ فالدول الحديثة لا تقاس فقط بما تنتجه من سلع، وإنما أيضاً بما تنتجه من أفكار وصور وروايات وأعمال إبداعية، ويأمل الأردنيون أن يقود سمو ولي العهد ثورة الفن الأردني الجديدة، فالفنان الأردني والموسيقي والكاتب وصانع الأفلام والمسرحي والمصمم، جميعهم جزء من الاقتصاد الثقافي الذي أصبح أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم.
ويبقى الشباب في قلب هذه المعادلة، فهم لا يشكلون مجرد فئة عمرية، بل يمثلون الكتلة الأكبر من طاقة الأردن وإمكاناته المستقبلية، هؤلاء الشباب ينتظرون سياسات تمنحهم الثقة قبل الوظيفة والفرصة قبل المساعدة والمساحة قبل الوصاية، إنهم يريدون أن يشعروا بأن الدولة تراهن عليهم بوصفهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد مستفيدين من برامجه، وهو مشروع سموه لهذا القطاع منذ فترة.
أما الحياة السياسية، فإن تطورها يمثل الضمانة الأساسية لاستدامة الدولة الحديثة، فالأردنيون يتطلعون إلى حياة حزبية أكثر نضجاً، ومجلس نواب أكثر فاعلية، وإدارة عامة أكثر كفاءة، ومؤسسات تستند إلى الإنجاز والشفافية وسيادة القانون، ولم يعد الإصلاح السياسي يقاس بعدد التشريعات وحدها، وإنما بقدرته على إنتاج مشاركة أوسع وثقة أعلى ونخب جديدة قادرة على تحمل المسؤولية، وتحركات سموه في المحافظات تُظهر أن سموه يعمل على إنتاج نخب شابة جديدة قادرة على حمل المسؤولية لبناء المستقبل.
في عيده الثاني والثلاثين، لا يحتفي الأردنيون بعمر أميرهم الذي يزداد عاماً، بقدر ما يحتفون بفكرة المستقبل نفسها، لأنه الحسين يمين أبيه وأمل وطن، فالأردني، منذ أن كان إنساناً أغلى ما نملك لدى الحسين الباني، إلى الأردني الذي صار قوتنا كما قال الحسين الأمل والمستقبل بمقولته الشهيرة "قوتنا بإنساننا قوتنا بشبابنا"، هذا الأردني يدرك أن الأردن واجه تحديات جساماً طوال تاريخه، لكنه كان ينجح دائماً حين امتلك قيادة ترى أبعد من اللحظة، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، ولن يكون الحسين بن عبدالله الثاني إلا سفراً جديداً من سيرة ومسيرة الهاشمين، ومعه ننظر إلى المستقبل الذي نرنو إليه.
ولا يخشى الأردنيون من المستقبل، لأنهم يدركون أن أميرهم امتداد طبيعي لملكٍ واجه ربع قرن من التحولات الإقليمية الصعبة بعقل الدولة لا بردود الفعل، فمن الملك عبدالله الثاني ورث الحسين فكرة الاعتدال بوصفها قوة، والإصلاح بوصفه مساراً تراكمياً، والانفتاح على العالم دون التفريط بالهوية الوطنية.