كتاب

الذهب مرشح للارتفاع

في كانون الثاني 2026، ارتفعت اسعار الذهب لمستويات تاريخية الى حدود 5600 دولار للاونصة لكن بعد هذا التاريخ شهدت سلسلة انخفاضات لتصل في منتصف حزيران 2026 الى 4300 دولار مخالفة بذلك اغلب التوقعات التي كانت تشير الى استمرار المنحنى التصاعدي. ما الذي حدث؟عوامل العرض كانت استثنائية اما عوامل الطلب فكانت استراتيجية.
العامل الاول، من المعروف ان سعر الذهب يرتبط بعلاقة عكسية مع سعر صرف الدولار الذي شهد ارتفاعا خلال نفس الفترة.لقد ادت الاحداث السياسية الى ارتفاع اسعار النفط تبعها توقع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع توقعات انخفاض اسعار الفائدة كما جاءت بيانات التوظيف في الولايات المتحدة ضعف المتوقع حيت تم اضافة ما يزيد عن 170,000 فرصة عمل في ايار 2026 مقارنة ب 85,000 فرصة متوقعة، وبعد اصدار هذه البيانات بعدة ساعات ارتفع الدولار وانهار الذهب باكثر من 3%. لقد ادت بيانات التوظيف الى شعور الاسواق بان هذا الوضع الاقتصادي سيؤدي الى ارتفاع معدلات التضخم المرتفعة اصلا وهذا يعني بان اسعار الفائدة ستبقى مرتفعة لفترة اطول او على الاقل انها لن تنخفض. وبنفس الوقت ادت هذه التطورات الى ارتفاع عوائد السندات، كل هذه العوامل ادت الى ارتفاع الدولار. وفي مثل هذه الحالات تصبح هذه السندات اكثر جاذبية من الذهب ولان العلاقة عكسية بين الذهب والدولار، انخفضت اسعار الذهب.
العامل الثاني، بعض البنوك المركزية اضطرت الى بيع الذهب، فعلى سبيل المثال باعت تركيا كميات كبيرة للحصول على الدولار لشراء النفط المرتفع كما باعت روسيا في عام 2025 كميات كبيرة لتمويل الحرب على اوكرانيا علما بان كلا الدولتين اعتادت شراء الذهب لكنها كانت مجبرة على ذلك بحثا عن السيولة.
العامل الثالث، لقد ادى انخفاض اسعار الذهب الى تفعيل نداءات الهامش Margin Calls في عقود الرفع المالي على الذهب الورقي من قبل المقرضين. وهنا الحديث عن المستثمرين الذين اشتروا الذهب باستخدام قروض الهامش فهم يدخلون في المخاطرة بمجرد ان تبدأ اسعار الذهب بالانخفاض وعند مستوى معين يبدأ المقرضون بارسال نداءات الهامش للمستثمرين الذين يجبرون على بيع عقود الذهب لتسديد الاموال المستحقة عليهم بموجب هذه العقود لتصحيح مراكزهم مع الجهات المقرضة.
ان المتتبع لهذه التطورات قد يتوقع ان تلتحق البنوك المركزية بهذه الموجة وتبيع الذهب لتجنب وتقليل الخسائر، لكن حصل العكس. اشترت العديد من هذه البنوك مثل بنوك الصين وبولندا ما يقرب من 250 طنا في الربع الاول من عام 2026. اما اجمالي الطلب في نفس الربع فقد بلغ ما يقرب من 1250 طنا بقيمة تعادل 200 مليار دولار تقريبا وبارتفاع 75% على اساس سنوي.ان العوامل الثلاثة الاولى التي ادت الى انخفاض اسعار الذهب ليست دائمة لا بل قصيرة الاجل خاصة العاملين الثاني والثالث، اما العوامل المتعلقة بالبنوك المركزية فهي اساسية. لا يمكن ان تشتري البنوك المركزية الذهب اذا اعتقدت ان اسعارها ستنخفص في المدى المتوسط والطويل.
وفي الخلاصة، فان عوامل العرض لم تنتج عن رغبة في بيع الذهب وانما كانت مدفوعة بالحاجة الى السيولة لغايات تغطية الارتفاع في اسعار النفط وتمويل حرب اوكرانيا وتغطية مراكز الهامش المفتوحة. اما عوامل الطلب، والمتمثلة بزيادة الطلب من قبل البنوك المركزية فهي عوامل ناتجة عن رغبة في اقتناء الذهب وتنم عن نظرة استراتيجية استشرافية تتعلق بالنظام النقدي العالمي القائم على الدولار والذي بدات اساساته بالتصدع. كل ذلك يشير الى ان الذهب مرشح للارتفاع بمجرد ان تنتهي الحرب في الشرق الاوسط.
وهنا اؤكد بان هذا التحليل لا ينظر الى التغيرات الانية في اسعار الذهب لان هذه الاسعار قد تنخفض او ترتفع بشكل مستمر ولحظة بلحظة تبعا للتطورات الانية ولا يمكن ولا يجوز لاي محلل ان يستند عليها، ما يهم هو العوامل الاساسية.
جامعة الزيتونة الاردنية