﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ صدق الله العظيم

تاريخ النشر : الثلاثاء 11:42 23-6-2026
المحامي جعفر محمد خير الصباغ

في فجر الحادي والعشرين من حزيران 2026، نفذت السلطات الأردنية حكم الاعدام شنقا بحق ستة مدانين في قضايا ارهابية وجنائية تدخل ضمن اختصاص محكمة امن الدولة. وما ان استكملت اجراءات التنفيذ، حتى أعلن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان توجه الحكومة الى إجراء تعديلات تشريعية توسع نطاق تطبيق العقوبة، لا سيما بحق كبار تجار المخدرات. كما أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة ان أكثر من مئة محكوم يواجهون هذه العقوبة داخل مراكز الاصلاح والتأهيل، وان تنفيذ الاحكام سيستمر وفقاً لأحكام القانون.

إن تنفيذ العقوبات بحق من ثبتت إدانتهم بعد استنفاد جميع درجات التقاضي لا يمثل عملاً انتقامياً، بل تجسيداً لفكرة العدالة التي تقوم عليها الدولة وتؤكدها الشريعة الإسلامية. وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، فالعقوبة الرادعة ليست غاية بحد ذاتها، وانما وسيلة لحماية الارواح وصون امن المجتمع ومنع الجريمة وردع من تسول له نفسه الاعتداء على حياة الناس واستقرارهم.

ويأتي القرار الأردني في لحظة عالمية تتسم بالمفارقة. فمن جهة، يتراجع عدد الدول التي تبقي على عقوبة الاعدام، اذ تشير منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي الصادر عام 2026 الى ان (113) دولة ألغت العقوبة بصورة كاملة، ومن جهة اخرى، سجل عام 2025 اعلى عدد من عمليات الاعدام الموثقة منذ أكثر من اربعة عقود، الأمر الذي يعكس ان الجدل حول هذه العقوبة لا يزال حاضراً، وان العالم لم يحسم موقفه منها بعد.

ولأنصار العقوبة منطق قانوني واضح، يقوم على ان بعض الجرائم تتجاوز حدود الاعتداء الفردي لتصبح تهديداً لوجود المجتمع ذاته. فالإرهاب، والقتل العمد، والاتجار المنظم بالمخدرات، ليست جرائم اعتيادية، بل اعتداءات تمس الحق الاساسي في الحياة والامن والاستقرار. ومن ثم، يرى المؤيدون ان التناسب بين الجريمة والجزاء يقتضي الابقاء على العقوبة القصوى في مواجهة أخطر المجرمين، وإنصافاً لذوي الضحايا الذين يرون فيه استردادا لكرامة انتهكت ولحق في الحياة سلب، بالإضافة الى انه أداة سيادية بيد الدولة لحماية أمنها القومي حين تتحول بعض الجرائم إلى تهديد وجودي لاستقرار المجتمع ومؤسساته.

وفي المقابل، يثير المعارضون جملة من الاعتبارات القانونية والحقوقية، في مقدمتها احتمال وقوع الخطأ القضائي، وهو خطر لا يمكن تداركه بعد تنفيذ العقوبة. كما يشكك بعض علماء الجريمة في مدى قدرة الاعدام على تحقيق ردع يفوق العقوبات السالبة للحرية طويلة الامد، الامر الذي يفسر الاتجاه العالمي المتزايد نحو تقييد استخدام هذه العقوبة أو إلغائها.

وبين هذين الاتجاهين، رسم القانون الدولي موقفاً وسطياً. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه الاردن وأكثر من (175) دولة، لم يحظر عقوبة الاعدام بصورة مطلقة، وانما قصرها على أشد الجرائم خطورة، وفقاً لما جاء في المادة السادسة من العهد، واشترط صدور حكم نهائي عن محكمة مختصة وتوفير أعلى معايير المحاكمة العادلة والضمانات القضائية.

وفي هذا السياق، لا يكون الاردن بصدد استحداث عقوبة جديدة، بل اعادة تفعيل اداة جزائية قائمة في تشريعاته، بعد ان شهدت المملكة توقفاً فعلياً عن تنفيذ الاحكام بين عامي 2006 و2014 قبل استئنافها لاحقاً. وهنا نؤكد أن تنفيذ الأردن للعقوبة لا يشكل خرقاً لالتزاماته الدولية ما دام منضبطاً بمعيار "أشدّ الجرائم خطورة" وبضمانات المحاكمة العادلة، وما دامت المملكة خارج نطاق البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والهادف الى الالغاء الكامل لعقوبة الاعدام. ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بالتعديلات المرتقبة على قانون العقوبات؛ فالتوسع في نطاق الجرائم الموجبة للإعدام، وإن بدا مبرراً في مواجهة تهريب المخدرات يستلزم حذراً تشريعياً، اذ قد يتحول الردع المشروع إلى توسع يفتح باب الانتقاد بمخالفة للالتزامات الدولية.

وعلى الرغم من ان العالم شهد خلال العقود الاخيرة اتجاها متزايداً نحو الغاء العقوبة، إلا أنها لا تزال مطبقة في دول تعد من أكثر دول العالم تقدماً، كالولايات المتحدة واليابان وسنغافورة، الأمر الذي يؤكد ان النقاش حولها لم يحسم بعد، وفي نهاية المطاف، لا تقاس قوة الانظمة الجزائية بقسوة العقوبات بقدر ما تقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين صون الحقوق وحماية المجتمع. فليست الغاية من العقاب الانتقام، بل ترسيخ العدالة، وحماية الابرياء، وصون السلم المجتمعي. وإذا أحسن المشرع الاردني الموازنة بين الردع والضمانات، وبين الحزم وسيادة القانون، فإن الابقاء على عقوبة الاعدام، أو التوسع المدروس في نطاقها، لن يكون رسالة بطش، بل رسالة مفادها أن حياة الانسان وامن المجتمع قيمتان لا يجوز التفريط بهما.

وبينما يستمر الجدل العالمي حول العقوبة الاكثر اثارة للانقسام في التاريخ القانوني الحديث، يبقى الفيصل الحقيقي ليس في وجود العقوبة او غيابها، بل في نزاهة القضاء، ودقة النصوص، وسيادة القانون. فبين سيف العدالة وميزان حقوق الانسان، لا ينبغي ان ينتصر أحدهما على الاخر، بل ان يتكاملا في سبيل غاية واحدة: مجتمع آمن، وعدالة لا تظلم، وقانون لا يتهاون.

وفي هذه المناسبة، نستذكر بكل فخر واعتزاز شهداء القوات المسلحة والاجهزة الامنية الذين قدموا ارواحهم فداء للوطن، دفاعاً عن امنه واستقراره وسيادة القانون فيه، ونسأل الله ان يتغمدهم بواسع رحمته، وان يسكنهم فسيح جناته، وان يحفظ الاردن وقيادته الهاشمية، وجيشه العربي المصطفوي، واجهزته الامنية، وان يديم على وطننا نعمة الأمن والاستقرار. ففي نهاية الأمر، لا تستقيم الدول باللين المطلق ولا بالحزم المجرد، بل بعدالة راسخة تمنح الحقوق، وتصون الارواح، وتحمي المجتمع من كل ما يهدد امنه واستقراره.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }