وأذكر أننا ذهبنا ذات مرة إلى ستاد عمان الدولي لمتابعة مباراة محلية. كانت دهشتنا كبيرة عندما رأينا لأوّل مرّة ألوان أرضية الملعب الطبيعية والجماهير الغفيرة والأعلام والهتافات. بدا لنا المشهد مختلفاً تماماً عما كنا نشاهده عبر شاشة التلفزيون الصغيرة، وكأننا انتقلنا من عالم الصورة إلى عالم الواقع.
لم نكن نتوقع قبل خمسة وأربعين عاماً أن نصل إلى عام 2026، حيث تُنقل المباريات إلى كل مكان في العالم عبر التكنولوجيا الحديثة ومنصات البث المتطورة، وفي عصر الذكاء الاصطناعي والاتصالات الفورية. لكن ما لم نكن نتوقعه أكثر من كل هذا التطور التقني هو أن يتغير اتجاه قلوبنا الكروية نفسها.
فبعد سنوات طويلة من تشجيع المنتخبات الأجنبية، ها نحن اليوم نعيش حدثاً تاريخياً مختلفاً. لم يعد اهتمامنا الأول منصباً على البرازيل أو ألمانيا أو الأرجنتين أو غيرها من المنتخبات العالمية، لأنّ الأردن الحبيب يشارك اليوم في كأس العالم، تتويجاً لمسيرة طويلة من العمل والجهد والتخطيط والإيمان بالحلم.
إن مشاركة الأردن في هذا المحفل العالمي ليست مجرد إنجاز رياضي، بل هي إنجاز وطني شاركت في صنعه أجيال متعاقبة من اللاعبين والمدربين والإداريين والداعمين. وهي أيضاً مناسبة لنشكر كل من آمن بأنّ الأردن قادر على الوصول إلى هذا المستوى العالمي.
وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني مراراً أن قوة الأردن تكمن في وحدة أبنائه وتماسكهم، وأن الإنجازات الكبرى تتحقق عندما يعمل الجميع بروح الفريق الواحد. كما يحرص سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ومعه سموّ الأمير علي بن الحسين، على التأكيد الدائم أن الشباب الأردني قادر على تحقيق الإنجازات ورفع اسم الوطن متى توفرت له الفرصة والدعم والإرادة.
ولعل أجمل ما نشهده هذه الأيام هو حالة الوحدة الوطنية التي رافقت مشاركة المنتخب. فالأردنيون جميعاً يقفون خلف علم واحد، وهتاف واحد، وحلم واحد. نختلف في أمور كثيرة، لكننا نجتمع اليوم حول منتخب يمثلنا جميعاً ويحمل اسم الأردن إلى العالم. وقد عاد المدرّج الروماني ليكون جوهرة فيلادلفيا – مدينة الحب الأخوي.
طموحنا بلا شك أن يحقق النشامى نتائج مشرّفة وأن يواصلوا التقدم في البطولة، لكن الأهم من النتيجة نفسها هو هذا الشعور الوطني الجميل الذي نعيشه. فنحن نقف إلى جانب منتخبنا في الفوز كما في الخسارة، لأنه يمثلنا جميعاً ويجسد صورة وطننا العزيز.
ومن الصور التي تبعث على الفخر أيضاً ما نشهده في الولايات المتحدة، حيث يلتقي أبناء الجالية الأردنية العريقة مع المشجعين القادمين من الوطن. تلك الجالية التي بدأت هجرتها منذ عشرات السنين عادت لتعيش هذه الأيام حالة متجددة من الانتماء الوطني. الهتافات واحدة، والشماغ الأحمر يجمع الجميع، والعلم الأردني يرفرف في قلب المدن الأميركية، فيتجاوز المسافات ويذيب الفوارق ويؤكد أن الوطن يسكن القلوب أينما كانت.
وفي ختام هذه التأملات، أتذكر ما قاله قداسة البابا لاون الرابع عشر عن كرة القدم، مع أول أيام البطولة ، وهي كلمات تصلح للحياة كما تصلح للملاعب:
"تُذكرنا كرة القدم بشيء يجب ألا ننساه: الحياة ليست سباقاً للمفاخرة بمفردنا، بل هي مسار نتعلم أن نمشيه معاً. أي شخص لا يعرف كيف يمرّر الكرة، حتى وإن كان يمتلك الموهبة، فإنّه لم يفهم اللعبة بعد. وأي شخص لا يعرف كيف يعيش مع الآخرين ومن أجلهم، فإنّه لم يفهم الحياة بعد."
لعل هذا هو الدرس الأجمل الذي تمنحنا إياه كرة القدم اليوم: أن الحياة تُلعَب كفريقٍ واحد، وأن الأردن، في هذه الأيام، يبدو أجمل ما يكون عندما يلعب كفريقٍ واحد وحين يشجعه أبناؤه، الساكنون فيه والمغتربون عنه، بقلب واحد. وألف تحية للنشامى...