في البداية لا بد من تعريف دقيق للجريمة. من منظور قانوني، هي كل فعل أو امتناع يعاقب عليه القانون، أما التعريف الاجتماعي فأوسع بكثير، إذ يشمل أي سلوك منحرف يضر بالفرد أو المجتمع، حتى لو لم يكن مجرماً بوضوح. وهنا تبرز إشكالية إضافية، وهي أن تعريف الجريمة يختلف بشكل ملحوظ بين الدول العربية نفسها.
يبرز علم النفس وعلم الاجتماع أهمية حاسمة في فهم الجريمة، يركز علم نفس الجريمة (Forensic Psychology) على العوامل النفسية الفردية مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (ASPD)، الذي يظهر بنسب أعلى بين المسجونين، حوالي 30-50% في بعض الدراسات الدولية، مقارنة بـ 3% في السكان العامين. كما يرتبط الاكتئاب الشديد والذهان (خاصة ما بعد الولادة) ببعض جرائم قتل الأمهات، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بانتشار واسع في مناطق النزاع كالعراق، مرتبطاً بجرائم اندفاعية، أما الغيرة المرضية (متلازمة عطيل) فتُقدر بنحو 23% من حالات قتل الزوجات في بعض الدراسات، ويُلخص ما يُعرف بـ'مثلث العنف' هذه العوامل: صدمة طفولة، غياب دعم، ومحفز لحظي، ويقصد هنا نموذج العنف الثلاثي الذي طوّره عالم النفس الاجتماعي روبرت جيه، سامبسون وآخرون (Sampson & Lauritsen, 1994) في سياق الجريمة الحضرية، أو النموذج المعدل المستخدم في دراسات العنف الأسري في المنطقة العربية (كما ورد في دراسة هيام صالح، 'مثلث العنف في المجتمعات العربية المعاصرة'، المركز العربي للأبحاث، 2019). وهو يختلف عن 'مثلث العنف' في علم الأوبئة (الوكيل – الضحية – البيئة)، لذا نوصي بالانتباه إلى هذه الفروق المرجعية. أما علم الاجتماع، فيفسر كيف يخلق البناء الاجتماعي- الاقتصادي بيئة خصبة للجريمة من خلال التفكك الأسري، البطالة، والتأثيرات الثقافية. وبهذا يقدم العلمان إطاراً متكاملاً يربط بين الحالة الفردية والسياق الجماعي، مما يحول الجريمة من ظاهرة عقابية بحتة إلى قضية قابلة للوقاية.
وتساهم التحولات الديموغرافية في تفاقم الظاهرة، فزيادة نسبة الشباب (Youth Bulge) في المجتمعات العربية، حيث يشكل من هم دون 30 عاماً أكثر من 60% من السكان في بعض الدول تخلق ضغطاً على سوق العمل والموارد، مما يرفع احتمالية الإحباط والسلوكيات المنحرفة، كما أن التحضر السريع والمكثف، والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، يؤديان إلى تفكك الروابط الاجتماعية التقليدية، وضعف الرقابة الأسرية والمجتمعية، وظهور أحياء عشوائية تكون بيئة مواتية للجريمة، وفق نظرية 'التنظيم الاجتماعي المختل' (Social Disorganization Theory).
من الناحية النفسية، ترتبط الكثير من الجرائم باضطرابات محددة كما أوضحت أعلاه (مصادر: دراسات ASPD في السجون، وتقارير WHO حول PTSD). أما الانتحار فهو واقعة مرضية تحتاج علاجاً نفسياً، ونوصي بتعديل القوانين لإحالة المحاولات إلى لجان نفسية.
على المستوى الاجتماعي- الاقتصادي، بلغ التفكك الأسري مستويات مرتفعة في بعض الدول (معدل الطلاق في الأردن حوالي 2.4- 2.5 لكل 1000 شخص. وترتبط البطالة (خاصة بين الشباب، نحو 23- 36%) بالجريمة، حيث تظهر دراسات دولية ارتباطاً إيجابياً (كل زيادة في البطالة ترتبط بارتفاع في جرائم الملكية، لكن العلاقة ليست آلية دائماً، وتتأثر بعوامل أخرى مثل عدم المساواة، كما تترك الحروب والنزوح آثاراً طويلة الأمد، مع ظهور سلوكيات عنيفة بين الأطفال في المخيمات بنسب مرتفعة في بعض الحالات.
كما تلعب المخدرات دورا كبيرا في ازدياد عددٍ الجرائم واختلاف نوع الجريمة عن السابق.
ومن الأكثر إثارة للقلق أن شكل الجريمة ذاتها تحول إلى وحشية غير مسبوقة في بعض الحالات المسجلة حديثاً، ليس فقط من حيث الأداة أو الدافع، بل من حيث هوية الجاني والمستهدف وطبيعة الفعل ذاته، فإلى جانب صعود جرائم الدارك ويب ذلك الجزء الخفي من الإنترنت الذي لا تصل إليه محركات البحث العادية، والذي بات سوقاً سوداء لبيع الأسلحة والمخدرات والأعضاء البشرية، وكذلك منصة لتبادل أدوات الابتزاز و'الاستئجار للقتل'.
يتبع الجزء الثالث والاخير
يبرز علم النفس وعلم الاجتماع أهمية حاسمة في فهم الجريمة، يركز علم نفس الجريمة (Forensic Psychology) على العوامل النفسية الفردية مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (ASPD)، الذي يظهر بنسب أعلى بين المسجونين، حوالي 30-50% في بعض الدراسات الدولية، مقارنة بـ 3% في السكان العامين. كما يرتبط الاكتئاب الشديد والذهان (خاصة ما بعد الولادة) ببعض جرائم قتل الأمهات، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بانتشار واسع في مناطق النزاع كالعراق، مرتبطاً بجرائم اندفاعية، أما الغيرة المرضية (متلازمة عطيل) فتُقدر بنحو 23% من حالات قتل الزوجات في بعض الدراسات، ويُلخص ما يُعرف بـ'مثلث العنف' هذه العوامل: صدمة طفولة، غياب دعم، ومحفز لحظي، ويقصد هنا نموذج العنف الثلاثي الذي طوّره عالم النفس الاجتماعي روبرت جيه، سامبسون وآخرون (Sampson & Lauritsen, 1994) في سياق الجريمة الحضرية، أو النموذج المعدل المستخدم في دراسات العنف الأسري في المنطقة العربية (كما ورد في دراسة هيام صالح، 'مثلث العنف في المجتمعات العربية المعاصرة'، المركز العربي للأبحاث، 2019). وهو يختلف عن 'مثلث العنف' في علم الأوبئة (الوكيل – الضحية – البيئة)، لذا نوصي بالانتباه إلى هذه الفروق المرجعية. أما علم الاجتماع، فيفسر كيف يخلق البناء الاجتماعي- الاقتصادي بيئة خصبة للجريمة من خلال التفكك الأسري، البطالة، والتأثيرات الثقافية. وبهذا يقدم العلمان إطاراً متكاملاً يربط بين الحالة الفردية والسياق الجماعي، مما يحول الجريمة من ظاهرة عقابية بحتة إلى قضية قابلة للوقاية.
وتساهم التحولات الديموغرافية في تفاقم الظاهرة، فزيادة نسبة الشباب (Youth Bulge) في المجتمعات العربية، حيث يشكل من هم دون 30 عاماً أكثر من 60% من السكان في بعض الدول تخلق ضغطاً على سوق العمل والموارد، مما يرفع احتمالية الإحباط والسلوكيات المنحرفة، كما أن التحضر السريع والمكثف، والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، يؤديان إلى تفكك الروابط الاجتماعية التقليدية، وضعف الرقابة الأسرية والمجتمعية، وظهور أحياء عشوائية تكون بيئة مواتية للجريمة، وفق نظرية 'التنظيم الاجتماعي المختل' (Social Disorganization Theory).
من الناحية النفسية، ترتبط الكثير من الجرائم باضطرابات محددة كما أوضحت أعلاه (مصادر: دراسات ASPD في السجون، وتقارير WHO حول PTSD). أما الانتحار فهو واقعة مرضية تحتاج علاجاً نفسياً، ونوصي بتعديل القوانين لإحالة المحاولات إلى لجان نفسية.
على المستوى الاجتماعي- الاقتصادي، بلغ التفكك الأسري مستويات مرتفعة في بعض الدول (معدل الطلاق في الأردن حوالي 2.4- 2.5 لكل 1000 شخص. وترتبط البطالة (خاصة بين الشباب، نحو 23- 36%) بالجريمة، حيث تظهر دراسات دولية ارتباطاً إيجابياً (كل زيادة في البطالة ترتبط بارتفاع في جرائم الملكية، لكن العلاقة ليست آلية دائماً، وتتأثر بعوامل أخرى مثل عدم المساواة، كما تترك الحروب والنزوح آثاراً طويلة الأمد، مع ظهور سلوكيات عنيفة بين الأطفال في المخيمات بنسب مرتفعة في بعض الحالات.
كما تلعب المخدرات دورا كبيرا في ازدياد عددٍ الجرائم واختلاف نوع الجريمة عن السابق.
ومن الأكثر إثارة للقلق أن شكل الجريمة ذاتها تحول إلى وحشية غير مسبوقة في بعض الحالات المسجلة حديثاً، ليس فقط من حيث الأداة أو الدافع، بل من حيث هوية الجاني والمستهدف وطبيعة الفعل ذاته، فإلى جانب صعود جرائم الدارك ويب ذلك الجزء الخفي من الإنترنت الذي لا تصل إليه محركات البحث العادية، والذي بات سوقاً سوداء لبيع الأسلحة والمخدرات والأعضاء البشرية، وكذلك منصة لتبادل أدوات الابتزاز و'الاستئجار للقتل'.
يتبع الجزء الثالث والاخير