عربي ودولي

اتفاق واشنطن وطهران يربك حسابات تل أبيب

مخاوف من ترتيبات أميركية - إيرانية تعيد رسم خريطة النفوذ

تشهد إسرائيل، بحسب تحليل نشره العميد الاحتياط آشر بن لولو، القائد السابق للواء على الحدود اللبنانية ورئيس القيادة الشمالية الأسبق، والرئيس التنفيذي الحالي لشركة «أشبل» لإدارة المشاريع الاستراتيجية، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، حالة من الترقب عند ما وصفه بـ«مفترق طرق استراتيجي» قد يكون الأهم منذ انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، في ظل تطورات إقليمية متسارعة ومفاوضات دولية حساسة.

ويأتي ذلك على وقع تقارير تتحدث عن اقتراب التوقيع على مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، ما يفتح الباب أمام واقع إقليمي جديد يضع إسرائيل أمام تساؤلات استراتيجية معقدة بشأن مستقبل سياساتها في المنطقة، ومدى التزامها بأي اتفاق محتمل تقوده واشنطن، أو سعيها لفرض معادلات ميدانية مختلفة.

وبحسب معلومات متداولة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اكتمال اتفاق إطاري مع إيران، على أن يتم التوقيع عليه رقمياً في سويسرا، ويتضمن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما في ذلك لبنان، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية مقابل رفع القيود البحرية الأميركية عن الموانئ الإيرانية، إلى جانب تأجيل بحث ملف اليورانيوم المخصب لمدة 60 يوماً ضمن مفاوضات تقنية، دون التطرق بشكل مباشر إلى ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وفي موازاة ذلك، شهدت الساحة الميدانية تصعيداً لافتاً، حيث شنت إسرائيل غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفت ما وصفته بأهداف تابعة لـ«حزب الله»، رداً على إطلاق نار باتجاه المستوطنات الإسرائيلية، في حين أكد بيان مشترك لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل «لن تحتمل إطلاق النار على أراضيها».

إلا أن توقيت الضربة أثار تساؤلات، خاصة في ظل المداولات السياسية الجارية بشأن الترتيبات الإقليمية. ووفق تحليل نشرته صحيفة «معاريف»، فإن الحوادث الأمنية الأخيرة على الحدود مع لبنان تعاملت معها الأجهزة الأمنية على أنها محدودة نسبياً، ما يثير احتمال ارتباط التصعيد الحالي بالمسار السياسي الأوسع المتعلق بلبنان والتسويات المحتملة في المنطقة.

وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن الرئيس الأميركي ترامب طرح خلال محادثة مع نتنياهو مقترحاً يتضمن انسحاباً إسرائيلياً من نقاط في جنوب لبنان ومن جبل الشيخ في سوريا، مقابل تفاهمات أوسع تشمل وقف إطلاق نار شامل، إلا أن نتنياهو رفض المقترح بشكل قاطع، بحسب المصادر ذاتها.

وفي السياق ذاته، قدّم العميد بن لولو سيناريوهين محتملين لمستقبل المرحلة المقبلة؛ الأول تفاؤلي يقوم على بقاء إسرائيل في مواقعها الحدودية مع التوصل إلى تسوية سياسية تُضعف نفوذ «حزب الله» وتدفع باتجاه نشر الجيش اللبناني في الجنوب، فيما يقوم السيناريو الثاني على انسحاب إسرائيلي سريع يعقبه إعادة تموضع لـ«حزب الله» بدعم إيراني، بما يعيد إنتاج التهديدات السابقة على الحدود الشمالية.

وفي قراءة دولية للمشهد، أشار محللون في شبكة CBC الكندية إلى تباين متزايد في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، حيث يرى باحثون أن إيران باتت أكثر جرأة في ظل مسار المفاوضات، مستفيدة من اهتمام إدارة ترامب بإبرام اتفاق سريع، في حين يرى خبراء أن إسرائيل تشعر بالقلق من كونها خارج دائرة التفاوض المباشر، ما قد ينعكس على مصالحها الاستراتيجية.

كما لفتت تحليلات أخرى إلى أن الاتفاق المرتقب قد يتضمن تجميداً طويل الأمد لأنشطة تخصيب اليورانيوم، مقابل معالجة ملف المخزون عالي التركيز، في حين تبقى مسألة الصواريخ الباليستية نقطة حساسة تشكل خطاً أحمر غير معلن في الحسابات الإسرائيلية.

وبينما تتواصل هذه التطورات، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الحكومة في تل أبيب تسعى لتثبيت معادلة أمنية جديدة في الشمال تقوم على عدم الانسحاب السريع من المواقع الحدودية، والحفاظ على حرية التحرك العسكري داخل الأراضي اللبنانية، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ«حزب الله» بدعم إيراني.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال المطروح في الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول ما إذا كانت التطورات الحالية ستقود إلى تسوية سياسية شاملة، أم إلى جولة جديدة من التصعيد، في وقت تبدو فيه إسرائيل عازمة على كسب الوقت وتجنب الالتزام بأي انسحابات قد تفرضها التفاهمات الدولية المرتقبة، وفق ما تشير إليه مصادر سياسية مطلعة.