عربي ودولي

تحذيرات من انهيار كامل للمنظومة الصحية في غزة

في مشهد إنساني وصحي تصفه منظمات الأمم المتحدة بأنه كارثة غير مسبوقة، يواصل قطاع غزة التدهور على المستويين الإنساني والصحي، وسط استمرار سقوط الضحايا وارتفاع غير مسبوق في أعداد الشهداء والجرحى، رغم الحديث عن وقف إطلاق النار.

وبينما تتسع رقعة الدمار وتنهار الخدمات الأساسية، يواجه أكثر من مليوني نازح ظروفاً معيشية قاسية تهدد حياتهم بشكل مباشر.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، فقد وصل خلال الساعات الماضية 3 شهداء و16 مصاباً إلى المستشفيات نتيجة استمرار العمليات العسكرية، ما يرفع حصيلة الضحايا منذ بدء وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول 2025 إلى 986 شهيداً و3,138 إصابة، فيما تؤكد الوزارة أن عمليات انتشال الجثامين من تحت الأنقاض ما تزال مستمرة في ظل صعوبات ميدانية كبيرة.

أما الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ 7 تشرين الأول 2023 فقد ارتفعت إلى 72,996 شهيداً و173,246 مصاباً، في حين تشير تقديرات أممية وميدانية إلى أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بكثير، بسبب وجود آلاف المفقودين تحت الركام وفي الطرقات، مع تعذر وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إليهم.

وفي تطور إضافي يعكس عمق الأزمة الإنسانية، أعلنت وزارة الصحة أن 1,268 مريضاً توفوا أثناء انتظارهم السماح بالسفر للعلاج في الخارج، بعد الإغلاق الكامل لمعبر رفح، ما أدى إلى حرمان آلاف المرضى، خصوصاً مرضى السرطان والفشل الكلوي، من فرص العلاج المنقذ للحياة.

ووصفت الدكتورة ريني فان دي فيردت، ممثلة منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الوضع الصحي في قطاع غزة بأنه كارثي بكل المقاييس، مؤكدة أنه لا يوجد حالياً أي مستشفى يعمل بكامل طاقته، وأن جميع المستشفيات إما خرجت عن الخدمة أو تعمل بشكل جزئي وسط نقص حاد في المعدات والأدوية. وأضافت في تصريحات صحفية في جنيف أن العاملين في القطاع الصحي يعيشون تحت ضغط غير مسبوق، مع استمرار سماع أصوات القصف وإطلاق النار رغم الهدنة، وهو ما يعقد عمل الطواقم الطبية ويهدد حياة المرضى والجرحى.

وحذرت وزارة الصحة في غزة من أن 87% من المواد والمستهلكات المخبرية غير متوفرة، إلى جانب نقص حاد في الأجهزة التشخيصية، ما يعرقل إجراء الفحوصات الأساسية ويزيد من صعوبة الاستجابة الطبية.

من جانبه، أكد مدير الإغاثة الطبية في غزة الدكتور محمد أبو عفش أن مخزون عدد من الأدوية الحيوية قد نفد بالكامل، خصوصاً أدوية مرضى الكلى والسرطان والهيموفيليا، محذراً من تداعيات صحية خطيرة في حال استمرار النقص.

وفي ظل تدهور البنية التحتية وتراكم النفايات وتلوث مصادر المياه، حذرت وكالات الأمم المتحدة من تفشي أمراض وأوبئة داخل القطاع نتيجة الظروف البيئية المتدهورة وغياب خدمات الصرف الصحي. وأفاد تقرير أممي بتسجيل ارتفاع في حالات الجرب والقمل ولدغات الجرذان، إضافة إلى انتشار جدري الماء والإسهالات الحادة بين الأطفال، خصوصاً في مراكز النزوح المكتظة.

كما أكدت منظمة الصحة العالمية أن غياب القدرة على إجراء الفحوص المخبرية يجعل القطاع الصحي في حالة عجز تشخيصي كامل، محذرة من أن مواد طبية أساسية وأجهزة تشخيص وأطراف صناعية لآلاف المصابين بالبتر ما تزال محتجزة على المعابر.

من جهتها، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية أن الأزمة في غزة تجاوزت حدود الفقر والبطالة، لتصل إلى حالة عوز مطلق نتيجة استمرار النزوح وتوسع نطاق الدمار وانهيار سلاسل الإمداد.

وحذرت من أن استمرار منع إدخال المساعدات الإنسانية أدى إلى شلل شبه كامل في قطاعات حيوية، بينها المخابز والمطابخ المجتمعية. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلاثة أرباع العائلات في القطاع تعتمد على مياه تنقلها الشاحنات، في وقت تعاني فيه محطات التحلية ومعالجة الصرف الصحي من نقص حاد في الوقود وقطع الغيار، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية إضافية.

سياسياً، تحدثت تقارير إعلامية عن استعداد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير للعب دور موسع ضمن «مجلس السلام» في إطار مبادرات دولية لإدارة الأزمة في غزة، في حين أشارت تقارير إلى أن صندوق المجلس الذي يُفترض أن يديره البنك الدولي لا يزال فارغاً رغم تعهدات تمويلية كبيرة، حيث ربط المانحون ضخ الأموال بتحقيق استقرار فعلي على الأرض، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

ميدانياً، يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية عبر القصف الجوي والمدفعي وعمليات نسف المباني واستهداف مناطق النازحين، مع تسجيل خروقات متكررة للاتفاق.

وخلال فجر الأحد، سُجلت خروقات أسفرت عن استشهاد شاب وطفل وإصابة نازح قرب دوار بني سهيلا شرق خان يونس، إضافة إلى استشهاد شاب متأثراً بجراحه السابقة في مدينة غزة.

كما شهدت مناطق في جباليا والتفاح عمليات نسف واسعة لمبانٍ سكنية، بالتزامن مع إطلاق الزوارق الحربية نيرانها في عرض بحر مدينة غزة.

وفي ظل استمرار الدمار، يبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن وقف التصعيد، مكتفياً ببيانات القلق والاستنكار، بينما تشير تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن حجم الخسائر المباشرة في قطاع غزة تجاوز 75 مليار دولار، مع تدمير واسع للبنية التحتية والمساكن والمنشآت الحيوية.

وفي تطور لافت، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن ثلث الاعتداءات على القطاع الصحي عالمياً خلال العام الماضي وقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعية إلى تحرك دولي عاجل لحماية ما تبقى من النظام الصحي في قطاع غزة ومنع انهياره الكامل.