التقارير الغربية تكشف أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتصرف وكأنها تمتلك تفويضاً مفتوحاً لإعادة تشكيل غزة جغرافياً وديموغرافياً بما يتناسب مع رؤيتها السياسية والأمنية، فالحديث لم يعد مقتصراً على ملاحقة حركة حماس أو استعادة الأسرى كما كان الوضع قبل عامين، بل امتد إلى فرض واقع جديد يقوم على السيطرة التدريجية على مساحات واسعة من القطاع وحصر الفلسطينيين في مناطق ضيقة ومكتظة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن عملية القضم المتواصلة للأرض لم تعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تبدو جزءاً من استراتيجية متكاملة تهدف إلى جعل الحياة في غزة أكثر صعوبة ودفع أكبر عدد ممكن من سكانها إلى التفكير بالرحيل أو البحث عن ملاذ خارجها، إنها سياسة تقوم على تحويل الضغط الإنساني إلى أداة سياسية، غير أن الأخطر من ذلك أن هذه السياسات تجد صدى متزايداً داخل معسكر اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يقوده نتنياهو بالشراكة مع إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، فخطاب هذا التيار لم يعد يخفي رغبته في إفراغ غزة من سكانها الفلسطينيين، بل أصبح يقدم هذا الهدف باعتباره إنجازاً وطنياً يستحق مكافأة انتخابية من الناخب الإسرائيلي.
وفي المقابل، تبدو البيئة الدولية مواتية لهذه السياسات أكثر من أي وقت مضى، فالضغط الأميركي الذي كان يشكل في مراحل سابقة عامل كبح إلى حد ما للحكومات الإسرائيلية تراجع بصورة ملحوظة، فيما يبدو الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن ترجمة مواقفه السياسية إلى أدوات ضغط حقيقية، أما العالم العربي، المنشغل بأزماته وحساباته الخاصة، فلم يتمكن حتى الآن من بناء موقف قادر على وقف المسار الذي تتجه إليه الأحداث.
وسط هذه المعطيات، يدرك نتنياهو أن الوقت ليس مفتوحاً أمامه، فهناك منافسون يستعدون لدخول المعركة الانتخابية المقبلة بقوة، وفي مقدمتهم نفتالي بينيت ويائير لابيد وغادي ايزنكوت، الذين يراهنون على حالة التعب التي أصابت المجتمع الإسرائيلي بعد حرب طويلة ومكلفة، لذلك يبدو نتنياهو في سباق مع الزمن لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات الميدانية قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية رسمياً.
ومن هذه النقطة يمكن فهم الاستعجال الإسرائيلي في غزة، فنتنياهو لا يريد فقط الانتصار في الحرب، بل يريد تحويل نتائجها إلى أوراق انتخابية ويسعى إلى إقناع الناخب الإسرائيلي بأنه الرجل الذي غيّر وجه غزة، وأعاد رسم حدودها، وفرض وقائع جديدة لم يتمكن أي رئيس حكومة إسرائيلي سابق من فرضها.
لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب قد تمنح السياسيين مكاسب مؤقتة، إلا أنها نادراً ما تنجح في تصفية القضايا الكبرى، فحتى لو تمكنت إسرائيل من فرض واقع جديد داخل القطاع، فإنها لن تتمكن من إلغاء الشعب الفلسطيني أو إنهاء قضيته الوطنية، كما أن سياسات التهجير والضغط الديموغرافي ستبقى مصدراً دائماً للتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها وهو أمر سيبقى ضاغطا على دولة الاحتلال، لهذا تبدو الصورة اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وهي صورة مركبة على النحو التالي : غزة لم تعد فقط ميداناً للقتال، بل أصبحت جزءاً من المعركة الانتخابية الإسرائيلية نفسها. وبينما يسقط الفلسطينيون شهداء وضحايا للحرب والجوع والنزوح، ينظر نتنياهو إلى القطاع باعتباره أكبر صندوق اقتراع يمكن أن يضمن له البقاء في السلطة، وهنا تكمن المأساة الحقيقية عندما تتحول معاناة شعب بأكمله إلى مادة في حملة انتخابية، هنا يصبح السلام هو الضحية الأولى، ويصبح المستقبل أكثر غموضاً من أي وقت مضى.