فعندما تُستهدف المرافق الصحية، لا تقتصر الخسارة على تدمير المباني أو المعدات، بل تمتد إلى حرمان المرضى من العلاج وتعطيل خدمات الطوارئ والتطعيم ورعاية الأمراض المزمنة، مما يضاعف معاناة المجتمعات المتضررة ويقوض قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
كما أن العاملين الصحيين أنفسهم أصبحوا يواجهون مخاطر متزايدة أثناء أداء واجبهم الإنساني، من القتل والإصابة إلى التهديد والاحتجاز، الأمر الذي يؤدي إلى نزوح الكفاءات الصحية ويزيد من هشاشة الأنظمة الصحية، خاصة في الدول التي تعاني أصلًا من أزمات ونزاعات طويلة الأمد.
وتكتسب هذه القضية أهمية استثنائية في إقليم شرق المتوسط، الذي يضم عددًا من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالنزاعات والأزمات الإنسانية، من فلسطين ولبنان والسودان إلى اليمن وسوريا. ففي هذه البيئات الهشة، يؤدي استهداف المرافق الصحية إلى تعطيل الخدمات الأساسية، وحرمان ملايين الأشخاص من الرعاية الصحية، وتعميق الأزمات الإنسانية والصحية القائمة.
ورغم وضوح القوانين والاتفاقيات الدولية التي تؤكد ضرورة حماية المرافق الصحية والعاملين فيها، فإن استمرار هذه الانتهاكات يثير تساؤلات جدية حول فعالية آليات المساءلة وقدرة المجتمع الدولي على ترجمة التزاماته إلى إجراءات عملية. كما أن حماية الرعاية الصحية ليست مسؤولية العاملين في القطاع الصحي وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق الحكومات والمنظمات الدولية وأطراف النزاع والمجتمع الدولي بأسره.
إن الرعاية الصحية ليست خدمة يمكن الاستغناء عنها أثناء الحروب، بل حق أساسي من حقوق الإنسان وركيزة من ركائز الصمود والتعافي والاستقرار، وحين تصبح المرافق الصحية والعاملون الصحيون أهدافًا للعنف، فإن الضحية لا تكون المرضى وحدهم، بل تمتد الخسارة إلى المجتمع بأسره، وإلى القيم الإنسانية التي يفترض أن تبقى مصونة حتى في أحلك الظروف.