حذر الخبير البيئي الدكتور أيوب أبو ديه من تزايد مخاطر حرائق الأعشاب الجافة في العاصمة عمّان مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مؤكداً أن الظاهرة أصبحت تحدياً بيئياً وصحياً يتكرر سنوياً ويستدعي حلولاً مستدامة تتجاوز الاستجابة التقليدية لعمليات الإطفاء بعد وقوع الحرائق.
وقال أبو ديه إن مساحات واسعة من الأراضي الفارغة بين الأحياء السكنية تشهد خلال شهري أيار وحزيران من كل عام جفافاً للأعشاب والنباتات البرية التي تنمو خلال فصل الشتاء، ما يجعلها مادة سريعة الاشتعال يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر على السكان والممتلكات والمنشآت القريبة.
وأضاف أن حرائق الأعشاب الجافة لا تقتصر آثارها على احتراق النباتات، بل تتسبب بانبعاث كميات كبيرة من الدخان والجسيمات الدقيقة والغازات الملوثة التي تؤثر سلباً على جودة الهواء، وتشكل خطراً على الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي والربو والحساسية.
وأشار إلى أن تكرار هذه الحرائق يتعارض مع الجهود المبذولة لتحسين البيئة الحضرية وخفض الانبعاثات الملوثة، خاصة في مدينة تعاني أصلاً من تحديات بيئية مرتبطة بالازدحام المروري وتعدد مصادر التلوث.
وأوضح أبو ديه أن الخطر لا يتوقف عند الجانب البيئي، إذ تسجل سنوياً حالات انتقال النيران من الأعشاب الجافة إلى أسوار المنازل والمستودعات والمركبات والمنشآت التجارية، ما يستدعي تدخل كوادر الدفاع المدني بشكل متكرر ويؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمالية المخصصة لخدمات الطوارئ.
ولفت إلى أن السخام الأسود الناتج عن الحرائق يعد من الآثار الأقل ملاحظة والأكثر تأثيراً، إذ ينتقل مع الرياح ليستقر على أسطح المباني وخزانات المياه وأجهزة التكييف والتهوية، ما يزيد الحاجة إلى أعمال التنظيف والصيانة ويثير مخاوف صحية لدى المواطنين.
وأكد أن التوسع الكبير في استخدام الطاقة الشمسية في الأردن أوجد تحدياً إضافياً يتمثل في تراكم الرماد والجسيمات الدقيقة على الألواح الشمسية، الأمر الذي يقلل من كفاءتها وقدرتها على إنتاج الكهرباء.
وبيّن أن تراكم السخام والغبار على أجزاء من الألواح الشمسية قد يؤدي إلى ظهور ما يعرف بالنقاط الساخنة (Hot Spots)، وهي مناطق ترتفع فيها درجات الحرارة بشكل كبير نتيجة التظليل الجزئي للخلايا الشمسية، ما يسرّع من تلفها ويخفض العمر التشغيلي للنظام وكفاءته الإنتاجية.
ودعا أبو ديه إلى تبني نهج وقائي لمعالجة المشكلة قبل وقوع الحرائق، مؤكداً أن التعامل المبكر مع الأعشاب الجافة أقل كلفة وأكثر فعالية من عمليات الإطفاء ومعالجة الأضرار الناتجة عنها.
واقترح إلزام أصحاب الأراضي الفارغة بتنظيفها قبل موسم الجفاف تحت طائلة الغرامات، إلى جانب تنفيذ برامج مسح دورية للمواقع الأكثر عرضة للخطر، وإنشاء أحزمة عازلة خالية من الأعشاب حول المناطق السكنية والمنشآت الحيوية.
كما دعا إلى الاستفادة من الأعشاب الجافة ضمن مشاريع الاقتصاد الدائري من خلال جمعها وتحويلها إلى سماد عضوي أو استخدامها في إنتاج الوقود الحيوي بدلاً من تركها عرضة للاشتعال أو التخلص منها بالحرق.
وطالب بإطلاق برنامج متكامل تحت عنوان "صفر حرق للأعشاب في عمّان"، يهدف إلى الحد من الحرائق الموسمية من خلال الشراكة بين أمانة عمّان الكبرى والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية.
وأشار إلى أن الأراضي الفارغة المنتشرة داخل المدينة يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها عبئاً موسمياً، بل فرصة لتعزيز البنية الخضراء الحضرية، من خلال تحويلها إلى حدائق صغيرة ومساحات خضراء ومواقع لزراعة الأشجار المحلية المقاومة للجفاف.
واقترح إلزام الأراضي التي تزيد مساحتها على ألف متر مربع بزراعة أنواع من الأشجار المحلية مثل الخروب والسدر والبطم واللوز البري على أطرافها، بما يسهم في الحد من نمو الأعشاب الجافة مستقبلاً وزيادة الرقعة الخضراء داخل المدينة دون الحاجة إلى كميات كبيرة من المياه.
وأكد أبو ديه أن تطوير هذه المساحات ينسجم مع رؤية مدينة عمّان المستدامة، من خلال دمج التشجير الحضري والطاقة المتجددة وإدارة المياه ضمن منظومة بيئية متكاملة تسهم في خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء ورفع مستوى جودة الحياة للسكان.
وشدد على أن كل حريق يتم منعه يعني هواءً أنظف ومياهاً أكثر سلامة وأحياءً سكنية أكثر أماناً، داعياً إلى الانتقال من سياسة الاستجابة للحرائق بعد وقوعها إلى نهج الوقاية والتخطيط المسبق لضمان بيئة حضرية أكثر استدامة للأجيال القادمة.