الثورة العربية الكبرى والجيش العربي: رواية الدولة ومسيرة الهاشميين
10:11 11-6-2026
آخر تعديل :
الخميس
في العاشر من حزيران من كل عام، لا يستحضر الأردنيون مناسبة وطنية عابرة، بل يقفون أمام محطة تاريخية صنعت هوية وطن، ورسخت رسالة أمة، وأطلقت مسيرة ما تزال فصولها تتجدد حتى يومنا هذا. ففي هذا اليوم تتعانق ذكرى الثورة العربية الكبرى مع يوم الجيش العربي، ليشكلا معاً عنواناً لمسيرة نهضوية بدأت بفكرة، وتحولت إلى مشروع، ثم إلى دولة راسخة الأركان.
لقد انطلقت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي عام 1916 حاملة مشروعاً تحررياً نهضوياً، يستند إلى قيم الحرية والكرامة والوحدة والعدالة. ولم تكن تلك الثورة مجرد حدث عسكري في سجل التاريخ، بل كانت إعلاناً لإرادة أمة أرادت أن تستعيد دورها وحضورها ومستقبلها. ومن رحم تلك الثورة ولدت الفكرة الهاشمية التي ما تزال تقود الأردن بثبات وحكمة بعد أكثر من قرن على انطلاقها.
وعندما جاء الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين، حمل راية البناء السياسي للدولة الأردنية، ووضع اللبنات الأولى لكيان وطني أصبح لاحقاً نموذجاً في الاعتدال والاستقرار. فكان رجل الدولة الذي جمع بين الرؤية والقيادة، ورسخ أسس الشرعية الدستورية والمؤسسات الوطنية، ووضع الأردن على طريق الدولة الحديثة.
ثم جاء الملك طلال بن عبدالله، ليضيف إلى البناء الهاشمي ركناً أساسياً تمثل في الدستور الأردني، الذي ما يزال حتى اليوم مرجعاً للحياة السياسية والدستورية في المملكة، ومظلة تحمي الحقوق وتصون المؤسسات وتكرس سيادة القانون.
وفي عهد الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، دخل الأردن مرحلة استثنائية من البناء الوطني. فقد قاد الحسين مسيرة طويلة من التحديث والتنمية وسط ظروف إقليمية معقدة وتحديات جسام، لكنه نجح في ترسيخ مكانة الأردن دولةً تحظى بالاحترام والثقة، وأصبح رمزاً للحكمة والاتزان والقدرة على حماية الوطن وصون وحدته الوطنية.
ومع تولي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية، دخل الأردن مرحلة جديدة من التحديث والإصلاح والتطوير. فواصل جلالته حمل الأمانة الهاشمية، وعمل على تعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً، ودفع عجلة التنمية والتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية التي شكلت جوهر الدولة الأردنية منذ تأسيسها.
وخلال هذه المسيرة الممتدة، بقي الجيش العربي المصطفوي المؤسسة الوطنية الأكثر التصاقاً بروح الثورة العربية الكبرى. فهو ليس مجرد قوة عسكرية تؤدي واجبها في حماية الحدود، بل هو مدرسة وطنية في الانتماء والتضحية والولاء. ومنذ تأسيس إمارة شرق الأردن وحتى يومنا هذا، ظل الجيش العربي حارساً للدولة، وسنداً للقيادة الهاشمية، وعنواناً للشرف والانضباط والعطاء.
وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة، يتجدد الاعتزاز بما يقدمه نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من تضحيات وجهود لحماية الوطن وصون أمنه واستقراره، في وقت يواجه فيه العالم تحديات متسارعة وتحولات عميقة تؤكد أهمية الدولة القوية ومؤسساتها الراسخة.
واليوم، ومع الحضور المتقدم لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، تتجدد أمام الأردنيين صورة المستقبل المشرقة. فسموه يمثل امتداداً طبيعياً للمسيرة الهاشمية، ويعكس رؤية شابة تؤمن بالعلم والابتكار وتمكين الشباب وتعزيز المشاركة وبناء اقتصاد قادر على مواجهة تحديات العصر. وهو ما يمنح الأردنيين ثقة متجددة بأن مسيرة الدولة التي بدأت مع الثورة العربية الكبرى ما تزال قادرة على صناعة المستقبل كما صنعت التاريخ.
إن ذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش ليست مناسبة للاحتفال بالماضي فحسب، بل هي فرصة لاستحضار المعاني التي قامت عليها الدولة الأردنية؛ معاني الوفاء والانتماء والتضحية والعمل. وهي مناسبة نجدد فيها العهد للقيادة الهاشمية بأن يبقى الأردن، كما أراده الآباء المؤسسون، وطناً آمناً مستقراً، قوياً بمؤسساته، عزيزاً بشعبه، شامخاً بجيشه، وماضياً بثقة نحو المستقبل.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.