الباحث رفيع يتتبع أصول الهوية المعمارية لعمان (1933- 1955)

تاريخ النشر : الأربعاء 11:50 10-6-2026
No Image

تكمن أهمية كتاب «أصول الهوية المعمارية لعمّان القديمة – جبل اللويبدة 1933-1959» للباحث والمؤرخ الأردني المهندس محمد رفيع في أنه يُذَكّر بأن هوية العاصمة التي تواصل توسعها العمراني وتواجه تحديات المدينة الحديثة، لم تُبنَ دفعة واحدة، بل تشكلت عبر عقود من العمل والتراكم والتفاعل بين الإنسان والمكان.

ويقدم رفيع، عبر استعادة قصص البيوت والشوارع والسكان.. صورة حية لمدينة كانت وما تزال شاهدة على تحولات الأردن الحديثة، مؤكداً أن الحفاظ على الذاكرة العمرانية ليس ترفاً ثقافياً، بل جزء أساسي من حماية الهوية الوطنية وصون تاريخ المكان للأجيال المستقبلية.

ويعد هذا الكتاب الصادر عن دار البيروني للنشر والتوزيع (2026) عملاً توثيقياً يفتح نافذة واسعة على تاريخ العاصمة عمّان وتحولاتها العمرانية والاجتماعية، مستنداً إلى وثائق نادرة وصور تاريخية ورخص بناء ومخططات تعود إلى العقود الأولى من القرن العشرين، في محاولة لإعادة بناء السيرة المعمارية لجبل اللويبدة أحد أعرق أحياء عمّان وأكثرها تأثيراً في تشكيل هويتها الحديثة.

ويأتي الكتاب بوصفه مرجعاً يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ المدينة، إذ يركز على منطقة جبل اللويبدة خلال الفترة الممتدة بين ثلاثينيات القرن الماضي وستينياته، وهي مرحلة شهدت انتقال عمّان من بلدة صغيرة إلى عاصمة ناشئة أخذت تتوسع عمرانياً وسكانياً بصورة متسارعة.

ويضم الكتاب ستة فصول تتوزع عليها المادة التوثيقية التي يقدمها الباحث وفق منهجية تجمع بين التاريخ العمراني والتاريخ الاجتماعي، حيث تتحول البيوت والشوارع والساحات إلى شواهد على تحولات المجتمع الأردني ونمو الدولة الحديثة، وهذه الفصول تحمل العناوين التالية: «النشأة الحديثة لعمان المعاصرة»، أصول الهوية المعمارية لجبل اللويبدة»، «وثائق عُمران ثلاثينيات القرن العشرين»، «وثائق عُمران أربعينيات القرن العشرين»، «وثائق عُمران خمسينيات القرن العشرين»، «بين الأصالة والحداثة (نحو بناء خطة إدارية تراثية لمنطقة اللويبدة)»، بالإضافة إلى ملحق بقائمة أصحاب البيوت في منطقة العبدلي (1933-1959)، وفهرس للأعلام وآخر للأماكن، وثالث لأسماء المكاتب والشركات الهندسية.

ويرى مؤلف الكتاب أن دراسة العمارة لا تقتصر على تتبع المباني وأشكالها الهندسية، بل تتجاوز ذلك إلى قراءة حياة الناس الذين سكنوا تلك البيوت، والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بتشييدها، والعلاقات التي نشأت بين المكان وسكانه، وبناء على ذلك، يقدم الكتاب قراءة شاملة للحي بوصفه فضاءً اجتماعياً وثقافياً، وليس مجرد مجموعة من الأبنية التاريخية.

ويستند العمل الذي قدم له أمين عمان د.يوسف الشواربة، إلى كم كبير من الوثائق التي جرى جمعها من الأرشيفات الرسمية والمصادر الخاصة، إضافة إلى شهادات شفوية ومقابلات مع أشخاص عاصروا تلك المرحلة أو احتفظوا بذكريات مرتبطة بها، وتكشف هذه المواد عن تفاصيل دقيقة تتعلق بأصحاب المنازل ومصمميها ومقاوليها وأساليب البناء المستخدمة فيها، فضلاً عن تطور البنية التحتية والخدمات العامة في العاصمة خلال سنوات التأسيس.

ويعيد الكتاب القارئ إلى السنوات الأولى لعودة الحياة إلى عمّان في أواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأت أفواج من المهاجرين الشركس بالاستقرار في المنطقة، قبل أن تشهد المدينة تحولات كبيرة مع وصول سكة حديد الحجاز مطلع القرن العشرين، ثم مع تأسيس إمارة شرق الأردن لاحقاً، ويبين كيف أسهمت هذه الأحداث في رسم ملامح المدينة الجديدة وتوسيع رقعتها العمرانية.

كما يتتبع الكتاب مراحل تطور جبل اللويبدة الذي يعد من أوائل الأحياء الحديثة في العاصمة، حيث استقطب عدداً من الشخصيات السياسية والثقافية والاقتصادية، وتحول مع مرور الزمن إلى مركز للنشاط الفكري والثقافي، ويعرض المؤلف نماذج من البيوت التي شُيدت في تلك الفترة، موضحاً الخصائص المعمارية التي ميزتها، والعناصر المحلية التي انعكست في تصميمها.

ومن بين القضايا التي يسلط الكتاب الضوء عليها تطور مهنة الهندسة المعمارية في عمّان، وبروز دور المهندسين والمساحين والمقاولين الذين أسهموا في بناء المدينة، كما يوثق بدايات التنظيم العمراني وإصدار رخص البناء وتخطيط الشوارع والخدمات، وهي جوانب قلما تناولتها الدراسات السابقة بهذا القدر من التفصيل والتوثيق الدقيق.

ويشير الكتاب إلى أن الهوية المعمارية لعمّان تشكلت عبر تفاعل عوامل متعددة، منها البيئة الطبيعية والتضاريس الجبلية، والمواد المحلية المستخدمة في البناء، إضافة إلى التأثيرات القادمة من مناطق مختلفة من بلاد الشام والعالم، وقد أسهم هذا التفاعل في إنتاج طابع معماري خاص بالعاصمة الأردنية، يختلف عن أنماط المدن العربية الأخرى، مع احتفاظه بملامح محلية واضحة.

ويأتي هذا الكتاب في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توثيق الذاكرة المكانية للمدن العربية التي تشهد تحولات عمرانية متسارعة، فالكثير من المباني القديمة التي شكلت جزءاً من المشهد التاريخي لعمّان تعرضت خلال العقود الماضية للهدم أو التغيير، الأمر الذي يجعل من توثيقها وحفظ قصصها ضرورة ثقافية ووطنية.

كما يطرح الكتاب أسئلة تتعلق بمستقبل العمارة في المدينة، وكيفية تحقيق التوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، فالباحث محمد رفيع لا يكتفي باستعراض الماضي، بل يدعو إلى قراءة التجارب السابقة والاستفادة منها في صياغة رؤية معاصرة تحافظ على خصوصية المكان وتمنحه القدرة على التطور في الوقت نفسه.

وإجمالاً، يبرز في الكتاب اهتمام واضح بفكرة الهوية بوصفها عملية مستمرة وليست حالة جامدة، فالمدينة، بحسب الرؤية التي يقدمها المهندس رفيع، تتغير باستمرار، لكن هذا التغير لا ينبغي أن يؤدي إلى فقدان الذاكرة أو انقطاع الصلة بالجذور، ومن هنا تأتي أهمية دراسة النسيج العمراني القديم بوصفه مصدراً لفهم الشخصية الثقافية للمدينة.

وما من شك في أن الكتاب يشكل إضافة نوعية إلى المكتبة الأردنية، والعربية ايضاً، خصوصاً في مجال الدراسات الحضرية والمعمارية، إذ يجمع بين البحث الأكاديمي الدقيق والأسلوب السردي القادر على جذب القارئ العام، كما يوفر مادة غنية للباحثين والطلبة والمهندسين المعماريين وكل من يهتم بتاريخ عمّان وتحولاتها، بخاصة وأن الكتاب لا يقتصر على سرد المعلومات التاريخية، بل يعرض أيضاً مجموعة كبيرة من الصور والوثائق والرسومات التي تساعد القارئ على تتبع تطور المشهد العمراني في جبل اللويبدة، وتكشف هذه المواد عن تفاصيل كانت غائبة أو غير متاحة للباحثين من قبل، ما يجعل الكتاب مرجعاً بصرياً إلى جانب قيمته العلمية والتاريخية والتوثيقية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }