المؤسسة الأمنية تصر على تثبيت ميزانية سنوية مرتفعة
تكشف تقارير إسرائيلية وأمريكية عن أزمة متفاقمة تعصف بإسرائيل على المستويات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، في ظل استمرار الحروب على أكثر من جبهة واتساع فاتورة الإنفاق الأمني بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية من تداعيات طويلة الأمد قد تطال أسس القوة الإسرائيلية ذاتها.
ووفقاً لما نشرته صحيفة «هآرتس» استناداً إلى وثائق وصفت بالسرية، فقد شهدت الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية نقاشات حادة حول خطة مالية ضخمة عُرفت داخل وزارة المالية باسم «وثيقة الـ850 مليار شيقل»، وهي الخطة التي قُدمت في إطار ما وصف بـ«المفهوم الأمني الجديد» الذي طرحه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خضم الحرب المستمرة.
وتضمنت الخطة مطالب واسعة لتطوير القدرات العسكرية، شملت أسراباً جديدة من الطائرات والسفن الحربية ومنظومات فضائية متقدمة. وعند احتساب الكلفة الإجمالية لهذه المطالب، وصلت التقديرات إلى نحو 850 مليار شيقل، أي ما يعادل قرابة 300 مليار دولار، وهو رقم أثار صدمة داخل المؤسستين العسكرية والمالية بسبب تداعياته المحتملة على الموازنة العامة والإنفاق المدني.
وبحسب المحلل الاقتصادي والعسكري سامي بيرتس، فإن حجم الإنفاق المقترح كان سيؤدي عملياً إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة بصورة جذرية، بما يشمل تقليصات واسعة في قطاعات حيوية مثل الصحة والبنية التحتية.
وعلى إثر ذلك، جرى تقليص المطالب إلى نحو 350 مليار شيقل، إلا أن الخلاف بين وزارة المالية والمؤسسة الأمنية بقي قائماً حول حجم الزيادة المطلوبة في ميزانية الجيش وآليات تمويلها.
وتصر المؤسسة الأمنية على ضرورة تثبيت ميزانية سنوية مرتفعة لمواجهة التحديات الناجمة عن الحرب في غزة ولبنان وسوريا والمواجهة المباشرة مع إيران، في حين تحذر وزارة المالية من أن الاستمرار في توسيع الإنفاق العسكري دون ضوابط سيؤدي إلى تضخم الدين العام وإضعاف قدرة الاقتصاد على التعافي.
وفي موازاة الضغوط المالية، تظهر مؤشرات اقتصادية مقلقة تعكس حجم التأثير المباشر للحرب على النشاط الاقتصادي.
فقد سجلت الأسواق حالة من الشلل فور تجدد المواجهة مع إيران، حيث تراجع النشاط الاستهلاكي بصورة حادة مع توجه المواطنين نحو الإنفاق على الاحتياجات الأساسية فقط وتخزين المواد الغذائية تحسباً لأي تصعيد إضافي.
كما تعرض قطاع الطيران لضربة جديدة بعد تعليق وإلغاء عدد من شركات الطيران الأجنبية رحلاتها إلى إسرائيل، في مشهد أعاد إلى الأذهان ظروف العزلة الجوية التي شهدتها البلاد خلال جائحة كورونا، لكن هذه المرة بفعل المخاوف الأمنية المتزايدة.
وامتدت التداعيات إلى سوق العملات، حيث شهد سعر صرف الدولار تقلبات ملحوظة وسط مخاوف المستثمرين من استمرار التوترات العسكرية وتأثيرها على قطاع التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية.
وتزامن ذلك مع بيانات اقتصادية أظهرت انكماش الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3.3 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، إلى جانب تراجع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 4.7 بالمئة، في مؤشرات تعكس الضغوط المتراكمة التي فرضتها الحرب على مختلف القطاعات.
إلى جانب الأزمة المالية، تواجه إسرائيل تحدياً آخر لا يقل خطورة يتمثل في تصاعد هجرة الكفاءات العلمية والأكاديمية.
وتشير معطيات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن عدد المغادرين من أصحاب الشهادات العليا بات يتجاوز عدد الوافدين، في سابقة غير معهودة منذ قيام الدولة.
وتظهر الأرقام ارتفاع معدلات الهجرة بين الباحثين والعلماء في التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والعلوم الدقيقة، بما في ذلك الرياضيات وعلوم الحاسوب والهندسة والعلوم الطبية، حيث يتجه العديد منهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً وفرص تمويل أفضل للأبحاث العلمية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الظاهرة قد ينعكس بصورة مباشرة على مكانة إسرائيل في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة التي شكلت لعقود إحدى ركائز تفوقها الاقتصادي والاستراتيجي.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه المساعدات الأمريكية تمثل أحد أهم مصادر الدعم لإسرائيل، فإن هذا الدعم يواجه بدوره نقاشات متزايدة داخل الولايات المتحدة.
فرغم موافقة الكونغرس على تمويل إضافي لبرامج الدفاع الصاروخي المشترك، تتزايد الأصوات المعارضة لاستمرار الدعم العسكري غير المشروط، خصوصاً في ظل الانتقادات الموجهة للعمليات العسكرية في غزة وما يرافقها من اتهامات بانتهاكات واسعة للقانون الدولي.
وتعكس هذه التطورات مجتمعة حالة من القلق المتنامي داخل إسرائيل بشأن مستقبلها الاقتصادي والسياسي، في ظل استمرار الحروب واتساع كلفتها المالية والبشرية.
وبين تصاعد الإنفاق العسكري وتراجع المؤشرات الاقتصادية وهجرة العقول وتنامي الانتقادات الدولية، تجد حكومة نتنياهو نفسها أمام تحديات غير مسبوقة قد تفرض عليها إعادة النظر في أولوياتها وسياساتها خلال المرحلة المقبلة.