كتاب

كيف غيرت الشبكة شكل التأثير..وبطل اللحظة يصنع التحولات الجذرية

شهدت المجتمعات الإنسانية خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً في مصادر التأثير الاجتماعي وصناعة الأبطال والقدوات، حيث استطاعت الثورة الرقمية إعادة تشكيل هذا المشهد بصورة غير مسبوقة، وتشكل 'المجتمع الرقمي'، وهو مجتمع تتدفق فيه المعلومات والصور والرموز بشكل مستمر عبر المنصات الرقمية، وتتنافس فيه آلاف الأصوات على جذب الانتباه والتأثير في الرأي العام.
ويرى عالم الاجتماع مارشال ماكلوهان أن الوسيلة ليست مجرد قناة تنقل الرسائل، بل هي بحد ذاتها عامل يعيد تشكيل المجتمع وأنماط التفكير، وعلى الرغم من أن أفكاره سبقت ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، فالمنصات الرقمية لم تغير فقط طريقة وصول المعلومات إلى الناس، بل أعادت تعريف من يملك القدرة على التأثير، حيث أصبح متاحاً لأي فرد يمتلك القدرة على جذب الجمهور وإنتاج محتوى يحظى بالانتشار أن يتحول إلى بطل أو مؤثر لحظي أو مستمر.
وفي إطار فهم هذا التحول، يقدم عالم الاجتماع زيغمونت باومان مفهوم 'الحداثة السائلة'، الذي يصف به المجتمعات المعاصرة بوصفها مجتمعات تتسم بالسيولة وعدم الاستقرار والتغير المستمر، حيث لم تعد المرجعيات الاجتماعية ثابتة كما كانت في السابق، بل أصبحت أكثر مرونة وقابلية للتبدل، وبالتالي فإن القدوة التي تحظى بإعجاب الملايين اليوم قد تختفي من دائرة الاهتمام بعد أسابيع أو أشهر، لتحل محلها شخصية أخرى أكثر قدرة على جذب الانتباه في بيئة رقمية تقوم على المنافسة المستمرة.
أما عالم الاجتماع جان بودريار فقد أشار في تحليلاته لمجتمعات ما بعد الحداثة إلى أن الصور والرموز قد تصبح أكثر تأثيراً من الواقع نفسه، وفي المجتمع الرقمي تبدو هذه الفكرة واضحة، إذ لم تعد أهمية الشخص مرتبطة بما يحققه فعلياً بقدر ما ترتبط بالصورة التي ينجح في تقديمها للجمهور، لقد أصبح الحضور الرقمي في كثير من الأحيان مصدراً للشرعية الاجتماعية، وأصبحت القدرة على إدارة الصورة العامة جزءاً من صناعة المكانة والتأثير.
وعلى مستويي الإعلام والاتصال، يرى مانويل كاستلز في نظريته حول (مجتمع الشبكات)، أن السلطة في العصر الرقمي أصبحت مرتبطة بالقدرة على إدارة تدفقات المعلومات داخل الشبكات، فالتأثير لم يعد ينتقل بشكل هرمي من المؤسسات إلى الأفراد، بل أصبح يتشكل من خلال التفاعلات المتبادلة بين ملايين المستخدمين، ولذلك نشهد اليوم صعود المؤثرين وصناع المحتوى باعتبارهم فاعلين جدد في المجال العام، يمتلكون في بعض الأحيان قدرة على التأثير تفوق قدرة المؤسسات التقليدية.
ولا يمكن للمراقب أن ينكر أن المنصات الرقمية ساهمت في إعادة تشكيل آليات المقارنة الاجتماعية التي تحدث عنها عالم النفس ليون فستنغر، فالأفراد يقارنون أنفسهم بصورة مستمرة مع الآخرين لفهم مكانتهم الاجتماعية، لكن هذه المقارنات أصبحت أكثر كثافة في العصر الرقمي، حيث يتعرض المستخدم يومياً لعشرات النماذج التي تعرض نجاحاتها وإنجازاتها وصورها المثالية، وقد أدى ذلك إلى ظهور أشكال جديدة من الضغط النفسي على الفرد والبحث المستمر من قبله عن الاعتراف الاجتماعي به من خلال الإعجابات والمتابعات والتفاعل الرقمي.
والمجتمع الأردني لا يعيش بمعزل عن ثورة الاتصال الرقمي والمجتمعات الرقمية، حيث نتفاعل يومياً مع شخصيات رقمية عابرة للحدود، ولم تعد الجغرافيا أو الجنسية أو الانتماء الثقافي تشكل قيوداً حقيقية أمام انتقال التأثير، فالمؤثر الذي يعيش في قارة أخرى قد يكون أكثر حضوراً في حياة بعض الشباب من الشخصيات العامة الموجودة في محيطهم المباشر، ورغم تأثر المجتمع الأردني بغالبيته العامة بالاتصال الرقمي والمجتمعات الرقمية، إلا أنه من المهم إجراء الدراسات حول أثر الفئة العمرية والتعليم والثقافة على مدى أو حجم التأثير، لأن مثل هذه الدراسات هي التي تساعد على فهم كيفية تفاعل المجتمع المادي مع المجتمع الرقمي، وشكل هذا التفاعل والتأثير.
المجتمع الرقمي لم يغير أدوات التواصل فقط بل أعاد تشكيل بنية التأثير الاجتماعي نفسها، وبينما كانت الحداثة قد نقلت مركز التأثير من التقاليد إلى المؤسسات، فإن مرحلة ما بعد الحداثة والحداثة السائلة تنقل التأثير من المؤسسات إلى الشبكات الرقمية المتغيرة باستمرار، وفي ظل هذا الواقع الجديد، صار القادر على التأثير هو من يملك القدرة على جذب الانتباه وصناعة الثقة والتأثير في عقول الناس وسلوكهم، وليس من الضروري أن يكون مؤثراً أو بطلاً دائماً، بل يمكن أن يكون مؤثرا أو بطل اللحظة، هذه اللحظة التي يمكن أن تحدث تغييراً مستمراً أو مؤثرا جوهرياً، وهنا يكمن إحد أهم التحولات الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين.