ويأتي ذلك انسجامًا مع ما أكّد عليه البابا في رسالته الرعوية الأولى «الإنسانية الرائعةMagnificaHumanitas»، التي نشرها قل أسبوعين، وفيها شدّد على أهمية هذه التقنيات الحديثة ودورها في خدمة الإنسان، شرط أن تبقى دائمًا في خدمة الكرامة الإنسانية والخير العام، وألا تتحوّل إلى أدوات للتسلّط أو العنف أو إشعال الحروب بين الشعوب والدول.
وفي برشلونة، شكّل تدشين البرج الرئيسي لكنيسة العائلة المقدسة (Sagrada Família) إحدى أبرز محطات الزيارة. وتُعد هذه الكنيسة من أعظم الصروح الدينية في العالم، وقد استمر بناؤها نحو 144 عامًا وفق تصميم المهندس والفنان الإسباني الشهير أنطوني غاودي، الذي تتجه الكنيسة الكاثوليكية نحو إعلانه قديسا. فلم يكن غاودي مجرد مهندس أو فنان، بل كان صاحب رؤية روحية عميقة استمدّ من إيمانه المسيحي الإلهام لبناء هذا المعلم الفريد، الذي تتوّجه قمة مخصّصة للسيد المسيح تُعد اليوم الأعلى بين أبراج الكنائس في العالم.
ومن المحطات البارزة أيضًا لقاء قداسة البابا مع البرلمان الإسباني، وهو لقاء تاريخي ألقى خلاله كلمة وُصفت بأنها بليغة ومؤثرة، دفعت أعضاء البرلمان إلى الوقوف والتصفيق المتواصل لمدة سبع دقائق بعد انتهائها، في تعبير واضح عن التقدير الكبير الذي تكنّه مملكة إسبانيا للبابا لاون الرابع عشر، الذي أضفى منذ انتخابه نفحة جديدة من الرجاء والحيوية على الحياة الكنسية.
وقد ركّز البابا في خطابه أمام البرلمانيين على أهمية العلاقات الإنسانية، وعلى ضرورة أن تستنير الحياة السياسية بالقيم الأخلاقية والفضائل الإنسانية النبيلة. وأكد أن السياسة، رغم تعقيداتها وتباين المصالح فيها، تبقى مدعوة إلى خدمة الخير العام وتعزيز ثقافة المحبة والاحترام المتبادل والتضامن بين المواطنين والشعوب.وقال قداسة البابا في هذا المجال: «إن السياسة تبلغ أسمى معانيها عندما تضع الإنسان في مركز اهتمامها، وعندما تتحول إلى رسالة لخدمة المجتمع وبناء السلام وترسيخ العدالة وصون كرامة كل إنسان».
ومن اللافت في هذه الأيام أيضًا حرص البابا لاون الرابع عشر على الاقتراب من أهل الفن والثقافة من خلال لقاءاته المتكررة مع الفنانين والكتّاب والمثقفين. فهو يسعى إلى بناء جسور من الحوار والثقة معهم، وإلى تشجيعهم على استلهام القيم الروحية والإنسانية في أعمالهم، مع التأكيد على أهمية الاتكال على رحمة الله والانفتاح على البعد الإيماني في حياة الإنسان.ويؤكد البابا من خلال هذه اللقاءات أن الكنيسة ليست في مواجهة الفن أو الثقافة، بل ترى فيهما وسيلتين راقيتين للتعبير عن الحقيقة والجمال والخير. فالكنيسة لا تمنع الإبداع الفني، بل تمدّ يد الصداقة والمودة والتعاون إلى الفنانين والمثقفين، وتعتبرهم شركاء في بناء حضارة أكثر إنسانية وانفتاحًا.
ولهذا جاء لقاؤه مع أهل الفن والثقافة في إسبانيا محمّلًا بإشارات ثقافية وأدبية عميقة، حيث استشهد أكثر من مرة بأعمال أدبية إسبانية خالدة. ومن أبرز ما اقتبسه ما ورد في رواية «دون كيشوت» للكاتب الإسباني الكبير ميغيل دي سيرفانتيس، عندما ذكّر الحاضرين بقوله: «إن الحرية هي أغلى ما يمكن أن يناله الإنسان، وهي من أثمن العطايا التي وهبها الله للبشر».