عيد الاستقلال

27 عاماً من التحديث والإنجاز.. الأردن نموذج للمرونة وصناعة الفرص

دولة محورية.. وتعزيز للاستقرار والاعتدال الإقليميين

فائض موجه للتصدير في 28 منتجًاً زراعيًاً محليًاً

أكد الخبير الدولي في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن المناسبات الوطنية في حياة الدول والشعوب تتجاوز حدود الاحتفاء الرمزي، لتغدو محطات استراتيجية للمكاشفة وتقييم السياسات، وقراءة مسارات التحول في بنية الدولة ومؤسساتها. وأضاف الزعبي لـ الراي أنه مع مرور سبعة وعشرين عاماً على تولي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية، يقف الأردن اليوم أمام مشهد تحولي عميق لا يقاس بحجم التراكم الكمي للإنجازات وحده، بل بطبيعة الفلسفة القيادية التي أدارت الدولة في خضم إقليم مضطرب وأزمات دولية متلاحقة. فعلى مدى قرابة ثلاثة عقود، نجحت الرؤية الملكية في نقل الأردن من نمط «إدارة الأزمات» والتعامل مع تداعياتها الفورية، إلى نمط «صناعة المستقبل» القائم على الاستباقية والتنبؤ بالمخاطر وبناء منعة وطنية صلبة، ترتكز على الاعتماد على الذات خيارا استراتيجيا لا بديل عنه في عالم يُعاد تشكيله.

تكاملت الرؤية الملكية الداخلية مع حضور دولي وإقليمي راسخ، إذ نجح جلالة الملك في ترسيخ مكانة المملكة دولة محورية صاحبة دور رائد في تعزيز الاستقرار والاعتدال الإقليمي. ولم يكن هذا الدور منفصلاً عن الواقع الداخلي، بل شكل حائطا دبلوماسيا واقتصاديا واقيا حمى الدولة من الارتدادات العنيفة للأزمات المحيطة. وتحوّلت الدبلوماسية الأردنية في عهد جلالته إلى أداة فاعلة لاستقطاب الشراكات الاستراتيجية وتوظيفها في دعم برامج التحديث الوطني والتنمية المستدامة.

وأكد الزعبي أن الإصلاحات والبرامج الوطنية خلال العقود الماضية لم تكن إجراءات معزولة، بل تبلورت في عهد جلالته كمنظومة تحديث شاملة تسير في ثلاثة مسارات متوازية ومتكاملة هي التحديث السياسي والتحديث الاقتصادي والتحديث الإداري. فالتحديث السياسي يعني إعادة صياغة الحياة الحزبية والبرلمانية لضمان مشاركة أوسع للشباب والمرأة في صنع القرار، فيما يستهدف التحديث الإداري تطوير الإدارة العامة وأتمتة الخدمات لرفع كفاءة الجهاز الحكومي. أما التحديث الاقتصادي فيشكل خارطة طريق عابرة للحكومات تسعى إلى إطلاق إمكانات الاقتصاد الوطني وتحفيز الاستثمار وتوفير فرص العمل، وربط كافة القطاعات برؤية مستقبلية واضحة تستهدف تحسين نوعية حياة المواطنين بصورة ملموسة ومستدامة في كافة المحافظات والقرى والبوادي.

وبين الزعبي أن ملف الأمن الغذائي والتنمية الزراعية يبرز بوصفه أحد أنصع النماذج التطبيقية لنجاح الرؤية الملكية في بناء المرونة الوطنية، إذ وجّه جلالة الملك مبكراً إلى ضرورة صياغة سياسات استباقية تحمي الأسواق الوطنية من تقلبات سلاسل التوريد العالمية والأزمات الجيوسياسية، وتجسّد ذلك بإنشاء المجلس الأعلى للأمن الغذائي مظلةً مؤسسية متكاملة لقيادة هذا القطاع. وتكشف البيانات الإحصائية الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة عن حجم التحول البنيوي في هذا الملف، إذ ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي الإجمالية من المواد الغذائية لتبلغ 61.4 %، فضلا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل وتسجيل فائض موجه للتصدير في نحو 28 منتجا زراعيا، ولعل أبرزها الشمام الذي بلغت نسبة اكتفائه 485 % والكوسا بنسبة 173 % والبندورة بنسبة 167 % وزيت الزيتون بنسبة 114 %، في حين حقق الحليب الطازج والزيتون اكتفاءً ذاتيا كاملا بنسبة 100%.

وأشار الزعبي إلى أن هذا التطور النوعي في الإنتاج ترافق مع قفزة واضحة في التجارة الخارجية تجلّت في ارتفاع متسارع لقيمة الصادرات الزراعية الوطنية، عاكسة التنافسية العالية للمنتج الأردني. ولم يقتصر الأمر على الإنتاج بل امتد إلى حماية هذا المنجز عبر أدوات استراتيجية في مقدمتها رفع القدرات التخزينية للحبوب إلى نحو 2.3 مليون طن، بما يكفل تغطية الاحتياجات الأساسية من القمح لفترات تتراوح بين تسعة وعشرة أشهر، مشكلا صمام أمان حقيقيا في مواجهة الصدمات الاقتصادية العالمية.

وأوضح الزعبي أن فكرة «الاعتماد على الذات» التي رسّخها جلالة الملك لا تعمل في جزر معزولة، بل تتشابك فيها قطاعات المياه والطاقة والاستثمار والتحول الرقمي والصحة والتعليم ضمن مصفوفة أداء وطنية متكاملة. ففي ملف إدارة المياه والتكيف المناخي، توسّعت المملكة في تبنّي تقنيات الري الحديثة والزراعة الذكية مناخياً مع التركيز على مشاريع الحصاد المائي وإنشاء السدود والترب الحفيرة لضمان استدامة التنمية الريفية والزراعية في المناطق الهشة. وعلى صعيد الصناعة وسلامة الغذاء، قادت المؤسسات الرقابية وفي مقدمتها المؤسسة العامة للغذاء والدواء حزمةً من التشريعات والضوابط الصارمة لحماية صحة المواطن ودعم تنافسية الصناعات الغذائية المحلية عبر حظر المواد الضارة وتسهيل إجراءات التصدير والأتمتة. وفي مجال التحول الرقمي والابتكار الأخضر، شهدت البيئة الاستثمارية إطلاق برامج ومسابقات وطنية للمشاريع الخضراء المبتكرة ووضع مؤشرات للحد من الهدر الغذائي وتوظيف التكنولوجيا الرقمية أداةً محورية لدعم اتخاذ القرار وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية. وتوازت هذه الجهود مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية عبر برامج التغذية المدرسية وتدعيم السلع الأساسية بالمغذيات وتقديم المساعدات والتحويلات النقدية للأسر العفيفة للتخفيف من أثر التحولات الاقتصادية وتحسين الحالة الصحية والتغذوية للمجتمع.

وقد أثمرت هذه الحزمة المتكاملة من السياسات والبرامج الموجّهة ملكياً عن تقدم الأردن بشكل ملحوظ في المؤشرات الدولية، إذ سجّلت المملكة تراجعاً في معدلات نقص التغذية وتحسنا ملموسا على مؤشر الجوع العالمي، مما يؤكد أن الاستراتيجيات الوطنية تُترجَم بدقة إلى نتائج واقعية يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

وخلص الزعبي إلى أن قراءة مسيرة السبعة والعشرين عاما من حكم جلالة الملك عبدالله الثاني تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الأردن لم يكن يعيش حالة من التراكم العددي العفوي للإنجازات، بل كان يخوض عملية بناء هندسي مستمر وممنهج، لم تكن غايته مجرد البقاء في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، بل كان الهدف الأسمى صياغة نموذج وطني يمتلك القدرة على المنافسة الدولية والصمود أمام الأزمات العابرة للحدود وتحقيق الرفاه المستدام للأجيال القادمة. وإن رؤية التحديث الشاملة التي يقودها جلالته اليوم لتضع الأردن على عتبة مستقبل واعد، متسلحاً بمنعته الوطنية واعتماده على قدرات أبنائه ومؤسساته الراسخة، لتبقى الدولة الهاشمية كما كانت دوماً: قوية، مرنة، وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص للبناء والنماء.