انهار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران ليوم واحد، غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا، بحسب محللين إسرائيليين، لا يتعلق بأسباب الانهيار بقدر ما يرتبط بتوقيت الرد الإسرائيلي وحجمه، في ظل تقديرات تعتبر أن عدم الرد كان سيُفهم كعلامة ضعف تمسّ الردع الإسرائيلي في المنطقة.
ونقل المراسل العسكري في صحيفة «معاريف» آفي أشكنازي، أن القرار الإسرائيلي بالتصعيد جاء انطلاقًا من اعتبارات ردعية بالدرجة الأولى، معتبرًا أن الامتناع عن الرد كان سيقوض صورة الردع الإسرائيلية.
وأشار إلى أن الجيش كان يفترض أن يتجه إلى خطوات أكثر اتساعًا بعد الهجمات الصاروخية، بما في ذلك استدعاء قوات احتياط ونشرها في الجبهات الشمالية، في إطار فرض ما وصفه بـ"معادلة إسرائيلية جديدة».
ووفق عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس»، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سعى منذ فترة إلى استئناف العمليات العسكرية، مع تشكيكه في جدوى أي تفاهمات تقودها الولايات المتحدة مع إيران، معتبرًا أن استمرار التصعيد يخدم أيضًا حسابات سياسية داخلية.
أما يوآف ليمور، الكاتب في صحيفة «إسرائيل اليوم»، فأشار إلى أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة، خصوصًا في لبنان، جاءت نتيجة حالة إحباط متراكمة من وقف إطلاق نار وصفه بـ"الوهمي»، في ظل استمرار الخسائر البشرية في الجانبين خلال الأسابيع الماضية.
وفي السياق ذاته، تحدث تسفي برئيل، الكاتب في صحيفة «هآرتس»، عن تعقيدات الموقف الأميركي، معتبرًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه معضلة حقيقية بين منع التصعيد حفاظا على مسار التفاوض مع إيران، وبين تجنب إظهار أي موقف قد يفسر كضعف أمام طهران.
وأشار إلى مخاوف لبنانية رسمية من تحركات سياسية موازية تجري بعيدًا عن الحكومة اللبنانية.
وعلى المستوى العسكري، نقل آفي أشكنازي عن مصادر في الجيش الإسرائيلي تصورًا ميدانيًا يقوم على مراحل تصعيدية، تبدأ باستهداف مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، مرورًا بمنطقة النبطية التي تعتبر مركز ثقل لحزب الله، وصولًا إلى احتمال توسيع العمليات نحو مدن أخرى مثل صور وصيدا، في حال استمرار القتال.
وفي المقابل، رأى برئيل أن إيران توظف مفهوم «وحدة الساحات» لتعزيز نفوذها الإقليمي في لبنان واليمن وسوريا والعراق، معتبرًا أن تصاعد العمليات الإسرائيلية قد يعزز دور طهران كطرف رئيسي في أي تسوية مستقبلية، في ظل تراجع فاعلية الحكومة اللبنانية في التأثير على مسار الأحداث.
من جهته، قال قائد سلاح البحرية الإسرائيلي السابق الفريق أول (احتياط) إليعازر شيني ماروم إن التطورات الأخيرة تعكس، بحسب تعبيره، حالة ضعف لدى حزب الله، مشيرًا إلى احتمال تراجع دوره في حال التوصل إلى تسوية سياسية بين إسرائيل ولبنان، وهو ما قد يؤدي إلى عزله أو دفعه نحو نزع سلاحه.
في المقابل، وجه وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالنت انتقادات حادة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قائلًا إن إسرائيل «تدفع ثمنًا باهظًا لإظهار الضعف خلال الفترة الماضية».
وأكد أن سياسة الردع الحالية غير كافية. كما دعا إلى توسيع العمليات العسكرية ضد أهداف تابعة لحزب الله داخل لبنان.
أما في الجانب الأميركي، فقد قدّم اللواء احتياط عاموس يدلين والعقيد احتياط أودي أفنتال، في تحليل نشره موقع «N12» ومعهد «Mind Israel»، قراءة مفادها أن كبح إسرائيل قد يعزز قناعة إيران بقدرتها على تحسين شروط التفاوض مع واشنطن، محذرين من أن طهران ليست في عجلة من أمرها للتوصل إلى اتفاق نهائي.
في المقابل، يرى آفي أشكنازي أن إيران، رغم استخدامها أدوات ضغط عسكرية وسياسية، تعاني من تراجع في قدراتها العسكرية، وأنها تلجأ إلى التصعيد الميداني لتعزيز موقعها التفاوضي، في ظل اقتراب المحادثات مع الولايات المتحدة من مرحلة حاسمة.
وبناءً على هذه المعطيات، يطرح محللون 4 سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، تتراوح بين تصعيد محدود يتركز في الساحة اللبنانية، واحتمال حرب مفتوحة مع إيران، أو فرض تسوية بضغط أميركي تؤدي إلى وقف إطلاق نار جديد، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تمتد على جبهات متعددة.
ويُجمع هؤلاء على أن السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا هو استمرار التصعيد المحدود، مع بقاء خطر الانفجار الواسع قائمًا في أي لحظة.
ويخلص التقرير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، في ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة قادرة على وقف التصعيد أو ضبط مساره، سواء على مستوى إسرائيل أو الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة.