يشير تطور لافت إلى أبعاد جديدة في العلاقة بين لبنان وإسرائيل، مع تسليط الضوء مجدداً على ملحق أمني كان مصنفاً سرياً ضمن الاتفاق الإطاري الذي رعتْه الولايات المتحدة.
وبينما جرى تداول النص الأساسي للاتفاق بشكل علني، بقيت تفاصيل هذا الملحق بعيدة عن الرأي العام، إلى أن كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، وتحديداً القناة الثانية عشرة، عن أبرز ملامحه استناداً إلى الصحافي يارون أبراهام.
وأثار هذا الكشف تساؤلات واسعة حول انعكاساته على السيادة اللبنانية، وما إذا كان يمثل تحولاً استراتيجياً يعيد صياغة قواعد الاشتباك في الجنوب، أو أنه يعكس إعادة هيكلة أوسع للترتيبات الأمنية في المنطقة.
وبحسب ما تم تداوله، يتضمن الملحق بنوداً من شأنها تعديل آليات الانسحاب الإسرائيلي، إذ يشير أحد البنود إلى تجاوز أي جدول زمني محدد، واستبداله بما وصف بـ«التقييم الميداني المستمر».
ويعني ذلك عملياً ربط الانسحاب بتقديرات ميدانية تضعها إسرائيل بشأن الأوضاع على الأرض، بما يمنحها هامشاً زمنياً مفتوحاً للبقاء في الجنوب وفق قراءتها للواقع الأمني.
كما يمنح الملحق القوات الإسرائيلية مساحة أوسع للتحرك ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، تحت ذريعة مواجهة «تهديدات ناشئة»، وهو توصيف اعتبره مراقبون فضفاضاً قد يتيح توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل أي نشاط يُربط بالمقاومة.
وفي ما يتعلق بملف الأسرى والرفات، تشير التسريبات إلى أن النص لا يتضمن التزامات محددة، بل يقتصر على عبارات عامة حول «السعي للإفراج»، من دون تحديد أسماء أو آليات تنفيذ واضحة، ما يضعف إلزامية هذا البند ويجعله أقرب إلى صياغات سياسية عامة.
كما تتحدث المعلومات عن آلية رقابية ميدانية تتيح لإسرائيل حق التفتيش في المناطق التي يتم نزع السلاح منها، إلى جانب إنشاء آلية تنسيق ثلاثية تضم إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، ما يمنح الأطراف الثلاثة، ولا سيما واشنطن وتل أبيب، دوراً مباشراً في مراقبة الترتيبات على الأرض، وهو ما يثير نقاشاً حول تداعياته على السيادة اللبنانية.
ويرى محللون أن هذه البنود لا تقتصر على الترتيبات الأمنية التقليدية، بل تعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة صياغة الواقع في الجنوب اللبناني.
ويشير المحلل العسكري الاسرائيلي عوفر شيلح، إلى أن إعادة إنتاج نموذج «الحزام الأمني» السابق في جنوب لبنان قد تكون «وصفة لكارثة»، في إشارة إلى التجربة التي انتهت بانسحاب إسرائيل عام 2000.
كما يلفت محللون إلى أن هذه الترتيبات قد تضعف من دور المؤسسة العسكرية اللبنانية، عبر تكليفها بمهام نزع السلاح في بيئة معقدة، مع وجود اعتراف ضمني بصعوبة تنفيذ هذه المهام، ما قد ينعكس على صورتها ودورها داخل الدولة.
من جهته، يرى رفيف دروكر في صحيفة «هآرتس» أن طبيعة الاتفاق قد تؤدي إلى حالة من الجمود السياسي والأمني، تبقي لبنان في دائرة التوتر المستمر، بما ينعكس على استقراره الاقتصادي والاجتماعي.
وفي السياق ذاته، يطرح محللون إسرائيليون قراءات متعددة لمآلات الاتفاق، بين من يعتبره فرصة لتعزيز الأمن الإسرائيلي وإعادة ضبط الحدود، وبين من يحذر من أنه قد يتحول إلى عبء طويل الأمد يعيد إنتاج سيناريوهات سابقة، ويجعل الجيش الإسرائيلي في مواجهة مفتوحة مع حزب الله.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الحرب الأخيرة مع حزب الله شكلت فرصة لإعادة صياغة قواعد التعامل مع لبنان، سواء عبر الضغط على الدولة اللبنانية باعتبارها كياناً هشاً، أو من خلال استثمار الانقسامات الداخلية والطائفية، بما قد ينعكس على تماسك الدولة المركزية.
في المقابل، يرفض حزب الله هذه الترتيبات، معتبراً أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه يشكل مساساً مباشراً بالسيادة اللبنانية، ويحذر من أن فرض هذا المسار قد يقود إلى تصعيد داخلي وإقليمي.
أما الولايات المتحدة، فتؤدي دور الضامن للاتفاق، في إطار مساعٍ تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني وتعزيز الاستقرار الأمني، بالتوازي مع دعم الجيش اللبناني مالياً ولوجستياً، في حين يرى مراقبون أن هذا الدعم يأتي ضمن إطار إدارة التوازنات أكثر من كونه مساراً مستقلاً.
وبين هذه المقاربات المتباينة، يبقى مستقبل الاتفاق مفتوحاً على عدة سيناريوهات، في ظل تداخل الاعتبارات الإقليمية والدولية، وتباين المواقف الداخلية اللبنانية، ما يجعل مسار تطبيقه مرهوناً بتوازنات سياسية وأمنية شديدة التعقيد، وبقدرة الأطراف على فرض رؤيتها على أرض الواقع دون انزلاق نحو مزيد من التصعيد.