من الحكومات العارفة إلى الحكومات التي تتعلم

تاريخ النشر : السبت 11:59 6-6-2026
رومان حداد

لم تعد الحكومات تواجه تحديات تقليدية يمكن التعامل معها عبر الأدوات ذاتها التي نجحت في الماضي، ففي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تعيد التكنولوجيا تشكيل الاقتصادات، والذكاء الاصطناعي يغير طبيعة العمل، والتحولات الديموغرافية المركبة تفرض احتياجات جديدة على الخدمات العامة، فيما تتسارع الأزمات الاقتصادية والبيئية والصحية بصورة تجعل التخطيط التقليدي أقل قدرة على مواكبة الواقع.

وفي ظل هذه البيئة المعقدة، هل يمكن للدولة أن تظل قادرة على الاستجابة الفعالة للتحديات المتغيرة وفق أدواتها التقليدية، أم أن عليها أن تتبنى أساليب أكثر تطوراً تجعلها تستجيب للمتغيرات السابقة بصورة أكثر فعالية مما هي عليه اليوم، وهو ما يتطلب منها أن تتحول من (الدولة التي تعرف) إلى (الدولة التي تتعلم).

طيلة العقود الماضية، بُنيت العديد من المؤسسات الحكومية على افتراض أن الخبرة المتراكمة والقواعد الإدارية الثابتة كافية لإدارة الشأن العام، لكن في عالم يتغير بصورة متسارعة، أظهرت التجربة العالمية أن المعرفة المسبقة والمتراكمة وحدها لم تعد تكفي، فالمشكلات المعاصرة غالباً ما تكون معقدة ومتداخلة، وأصبحت تختلف نوعياً من حيث الإطار والمضمون، وباتت المعارف السابقة والآليات المجربة عائقاً في التعامل مع المستجدات أكثر من كونها حلولاً قابلة للتطبيق، فما تقدمه المشكلات الحالية من تحديات غير مسبوقة جعلت من الصعب التنبؤ بنتائج السياسات التي توضع لمعالجتها بشكل كامل قبل تطبيقها، ولذلك بدأت دول عديدة بالانتقال نحو نموذج جديد يعتمد على التعلم المستمر والتجريب المنظم واختبار السياسات قبل تعميمها.

ولذلك فالدولة التي تتعلم باستمرار لا يعني أنها دولة ترتكب الأخطاء أكثر من غيرها، بل هي دولة تمتلك الشجاعة للاعتراف بأن بعض السياسات قد لا تحقق النتائج المتوقعة، وأن النجاح لا يتحقق من خلال افتراض امتلاك جميع الإجابات، وإنما عبر القدرة على اكتشاف الإجابات الصحيحة تدريجياً، وهنا تتحول الدولة من (الدولة العارفة) والتي لا تقبل التطور، إلى دولة تدرك أهمية المعرفة والعلم فتنتقل إلى ما يمكن تسميته بالعقل العلمي التجريبي في الدولة، بحيث يتم تصميم سياسات صغيرة النطاق، كون من الممكن قياس نتائجها بدقة، ومن ثم تعديلها أو توسيعها بناء على الأدلة والمعطيات الفعلية.

في القطاع الخاص عالمياً، أصبحت ثقافة التجريب جزءاً أساسياً من النجاح. فالشركات الكبرى لا تطلق منتجاتها النهائية قبل اختبارها وتحليل سلوك المستخدمين تجاهها، ولكن في القطاع العام، ما زالت بعض الحكومات تتعامل مع السياسات وكأنها قرارات نهائية غير قابلة للمراجعة، ويُنظر لتراجع الحكومات عن بعض السياسات وكأنها هزيمة للحكومة.

سيطرة فكرة التمسك بالسياسات التي لا تثبت جدواها، يحول الأخطاء الصغيرة في مرحلة التصميم إلى مشكلات كبيرة عند التطبيق على نطاق وطني، ولذلك فإن إدخال منهجية التجريب إلى العمل الحكومي لا يمثل ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة لتحسين كفاءة الإنفاق العام وتقليل مخاطر الفشل.

ويكتسب هذا التوجه، أي الحكومات المتعلمة، أهمية خاصة في الدول النامية، حيث تكون الموارد محدودة والهامش المتاح للخطأ أقل بكثير، حيث يمكن للحكومات تجربة الحلول في مناطق أو قطاعات محددة بدلاً من إطلاق برامج واسعة النطاق دون اختبار مسبق، وهو ما يساعدها على الاستفادة من النتائج لتطوير السياسات قبل تعميمها، وهذا النهج التجربي العلمي يسمح بتوجيه الموارد نحو البرامج الأكثر فعالية، ويؤدي إلى تعزيز ثقة المواطنين عندما يرون أن القرارات تستند إلى نتائج ملموسة وليس إلى افتراضات نظرية.

ولكن التحول من (الحكومة العارفة) إلى (الحكومة المتعلمة) يتطلب تغييراً جذرياً في الثقافة المؤسسية لدى الحكومات والمجتمه، حيث أن هذا التحول يعني أن هناك تحولاً في كيفية التعاطي مع الأفكار، بحيث يتم تشجع الموظفين على الابتكار تتم مكافأة التعلم من التجارب، كما يتم التعامل مع الفشل المحدود باعتباره فرصة للتحسين لا سبباً للعقاب، مع ضرورة الإدراك أن المؤسسات التي تخشى الاعتراف بالأخطاء غالباً ما تكررها، لأنها تفتقد آليات التعلم الذاتي والتقييم المستمر.

أردنياً، تبرز أهمية هذا المفهوم في ظل مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري الذي تشهده المملكة، فنجاح أي عملية تحديث لا يعتمد فقط على جودة الخطط والاستراتيجيات، بل أيضاً على القدرة على مراجعتها وتطويرها باستمرار استناداً إلى النتائج الفعلية وإلى التحديات المستجدة، فالمجتمعات تتغير والتحديات تتبدل، وما نجح قبل عشر سنوات قد لا يكون مناسباً اليوم، وما تم توقعه نظرياً قبل حين قد لا يكون منتجاً اليوم.

في ظل حالة اللايقين التي يفرضها الواقع المتغير بتسارع والذي يفرض تحديات نوعية جديدة على الدولة، فإن الحكومات الحديثة لم تعد بحاجة إلى مزيد من اليقين في مواجهة هذه التحديات، بل على العكس، حيث باتت الحكومات بحاجة إلى مزيد من القدرة على التعلم، وباتت الدولة القوية ليست تلك التي تدعي امتلاك الحلول لكل شيء، بل تلك التي تمتلك مؤسسات مرنة قادرة على اختبار الأفكار وقياس النتائج وتصحيح المسار بسرعة وكفاءة، وفي عصر التحولات المتسارعة، قد يصبح التعلم المستمر أهم مورد استراتيجي تمتلكه أي دولة تسعى للحفاظ على قدرتها التنافسية واستقرارها على المدى الطويل.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }