يواجه المجتمع اليوم تحدياً متصاعداً وخطيراً يمس استقراره وقيمه، جراء الاستخدام الخاطئ وغير المسؤول للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم تعد المخاطر مجرد اختراقات تقنية بل تحولت إلى سلوكيات يومية مشوهة.
وتتمثل في انتشار التعليقات السلبية والمسيئة واغتيال الشخصية ونشر الشائعات والتنمر الإلكتروني، بالإضافة إلى الانفلات الأخلاقي خلف الشاشات والأسماء المستعارة، ما أوجد فجوة سلوكية عميقة بات فيها البعض يفصل بين التزامه الأخلاقي في الحياة الواقعية وبين ممارساته وتجاوزاته في الفضاء الافتراضي وبما يهدد تماسك الأسرة والمجتمع على حد سواء.
وفي ضوء هذه التجاوزات السلوكية المقلقة في العالم الرقمي بما ينعكس سلباً على حس المسؤولية المجتمعية، أكدت الخبيرة الاجتماعية الدكتورة لبنى الرشدان الى "الرأي"، أن المسؤولية المجتمعية في البيئة الرقمية لا تقتصر على الامتثال للقوانين والأنظمة خوفاً من العقاب، بل تمتد لتشمل وعي الفرد بأثر سلوكه الرقمي في الآخرين، مشيرة إلى أن المواطن الرقمي الحقيقي يجب أن يكون حريصاً كل الحرص على الكلمة التي يكتبها، دقيقاً في نقل المعلومات، ومدركاً لخطورة تفاعلاته.
ودعت الرشدان ان على المواطن أن لا يندفع وراء الشائعات أو يسهم في نشر التعليقات المسيئة، بل يجعل من نفسه حارساً للقيم وبانياً لبيئة رقمية إيجابية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون.
وأوضحت الرشدان أن السلوك الرقمي لم يعد شأنًا فرديًا، بل أصبح ذا انعكاسات مجتمعية واسعة، الأمر الذي يفرض على المنظومة التربوية والاجتماعية تعزيز هذا الشعور العالي بالمسؤولية لدى الأفراد تجاه ما ينشرونه أو يتفاعلون معه في الفضاء الرقمي، مشددة في الوقت ذاته على أهمية الربط بين المواطنة الرقمية والمسؤولية المجتمعية باعتبارهما إطارًا تكاملياً يسهم في ترسيخ القيم، إذ لا يمكن تحقيق سلوك رقمي مسؤول دون وجود منظومة قيمية واضحة توجه هذا السلوك وتكبح جماح الطيش الرقمي.
وطرحت الرشدان ملامح رؤية شاملة لمعالجة هذا الواقع تتلخص في غايات إستراتيجية أولاها تأصيل السلوك القيمي عبر بيان طبيعة المسؤولية المجتمعية للمواطن الرقمي للحد من التجاوزات، يليه تحديد منظومة القيم التربوية والاجتماعية التي تسهم في توجيه استخدام التقنية بشكل مسؤول يعزز الوعي الأخلاقي، بالتوازي مع تفعيل دور الحواضن التربوية كالأسرة والمؤسسات التعليمية لتمكين المستخدمين ليكونوا خط الدفاع الأول، وصولاً إلى استكشاف التحديات السلوكية في الفضاء الرقمي واقتراح آليات تربوية وعملية لمعالجتها.
وختمت الدكتورة لبنى الرشدان حديثها بالدعوة إلى ضرورة تبني رؤية وطنية وتربوية شمولية تسعى إلى إعداد وتأهيل المواطن الرقمي القادر على التفاعل بوعي وحرص ومسؤولية، وبما يضمن تعزيز تماسك المجتمع الأردني ويحافظ على هويته القيمية الراسخة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي نعيشها اليوم.