إن التقارير الإسرائيلية المثيرة للجدل، والتي تتحدث عن عبور عشرات الطائرات المسيّرة يومياً دون اعتراض فعال، لا تكشف عن تقصير أردني، بل هي اعتراف صريح بعجز الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن مواجهة تحديات أمنية معقدة فرضتها التكنولوجيا الحديثة وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. السؤال المنطقي هنا يجب أن يوجه إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها: لماذا هذا الفشل؟ وكيف يمكن معالجته؟ لا كيف يمكن تحميل المسؤولية لدولة أخرى.
لطالما كان الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، جزءاً أصيلاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة. فمنذ سنوات، تخوض قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية معركة صامتة ومستمرة ضد شبكات التهريب المنظمة، سواء كانت مرتبطة بالمخدرات أو الأسلحة أو محاولات التسلل غير المشروع. لقد قدم الأردن تضحيات جساماً، من شهداء وموارد ضخمة، لحماية حدوده وصون أمنه الوطني، إيماناً راسخاً بأن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ. وقد حذرت المملكة مراراً من مخاطر الطائرات المسيّرة الرخيصة وتنامي قدرات هذه الشبكات، وأثبتت الوقائع الميدانية نجاحها في إحباط العديد من عمليات التهريب وضبط كميات كبيرة من المواد المهربة.
إن محاولة الزج باسم الأردن في السجالات الأمنية الإسرائيلية لا تخدم الأمن الإقليمي، بل تعكس أزمة أعمق داخل المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي. فبدلاً من مراجعة السياسات الأمنية وتطوير أدوات الحماية الحدودية، يجري توجيه الأنظار نحو الجوار في محاولة لصناعة رواية مريحة للرأي العام الداخلي. الأمن الحقيقي يقوم على المسؤولية والشفافية والتعاون واحترام سيادة الدول، لا على تصدير الأزمات وإلقاء اللوم على الآخرين.
الأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي وخبرته الطويلة في إدارة التحديات الإقليمية، يدرك جيداً أن الاستقرار لا يُبنى بالاتهامات. سيبقى الأردن، كما كان دائماً، دولة مسؤولية واتزان، وحصناً منيعاً للاستقرار في منطقة مضطربة، وشريكاً موثوقاً في حماية أمنها، مهما حاول البعض تحميله أوزار إخفاقاتهم.
إن ما يحتاجه الشرق الأوسط اليوم هو مواجهة الأسباب الحقيقية للفوضى وعدم الاستقرار، لا تبادل الاتهامات التي تزيد المشهد تعقيداً.